دلالات انتخابات هادئة .. في عالم مضطرب!
جرت الانتخابات الرئاسية الجزائرية أمس بهدوء في عالم ما فتئ يدخل في حالة اضطراب وفوضى من يوم إلى آخر. فحسب تقرير GPI(مؤشر السلام العالمي) لسنة 2024، يوجد تصاعد مستمر لحالة العنف تطال حتى أكبر الدول في العالم وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، إذ “شهدت أمريكا الشمالية أكبر تدهور اقليمي، بسبب الزيادة في الجرائم العنيفة والخوف من العنف”، يفيد التقرير. أما عدد الصراعات في العالم هذه السنة فقد بلغ 56 صراعا وهو الأعلى منذ الحرب العالمية الثانية، كما تدهورت حالة السلم في 97 دولة مقارنة بسنة 2008، وتسبًّب كل هذا في أنْ بلغت خسارة الاقتصاد العالمي جراء العنف نحو 19.1 تريليون دولار أو 2380 دولارا للفرد!! وجميعنا يعرف أن بؤر الحرب الرئيسية اليوم هي في أوكرانيا وفلسطين تليها منطقة الساحل كحالة يزداد فيها التوتر يوما بعد يوم، بما يعني كل ذلك بالنسبة لنا …
تكفي هذه المؤشرات العالمية والإقليمية بكل ما يَنتج عنها من تداعيات على مستوى الخسائر البشرية والمادية، لِتبين لنا مفهوم الاستباقية الذي كان من بين أسباب إجرائنا انتخابات رئاسية قبل آجالها.. إننا في حاجة بالفعل إلى استباق التدهور المتلاحق للأوضاع عالميا وإقليميا، إلى اللجوء إلى الانتخابات كخيار لا بديل عنه لتأطير حركتنا السياسية على الصعيدين المحلي والإقليمي والدولي. وهو ذات القرار الذي مَكَّننا في عام 2019 من عدم الوقوع في فخ المرحلة الانتقالية الذي لم يخرج منه سالما أي بلد تم إقحامه فيه…
لذلك بات من الأهمية بمكان أن نُدرك اليوم أهمية إجراء انتخابات رئاسية هادئة في هذا الظرف بالذات، والأهم من ذلك أهمية بناء استراتيجية مشتًركة بين المترشحين الثلاثة في الخمس سنوات القادمة لتحقيق هدف مركزي للدولة يتم التوافق بشأنه.
لقد سبق لي وأن أشرت في اقتراح سابق لهذا الأمر، ينبغي صوغ رؤية مشتركة للجزائر انطلاقا من برامج المرشحين الثلاثة تٌنفِّذها حكومة ائتلافية من التيارات الثلاثة، وهي الرئيسة في المجتمع، تحت قيادة الرئيس المنتخب بغض النظر عن النسبة التي حصل عليها..
يبدو لي هذا أفضل خيار للتعامل مع عالم يتجه نحو الاضطراب أكثر. ليس من مصلحتنا في السنوات القادمة حشد الطاقات حول برنامج انتخابي واحد. وليس من مصلحتنا أن تبقى المعارضة، بما فيها تلك التي لم تشارك في الانتخابات، خارج أي برنامج وطني يتقرر تنفيذه.
إن اضطراب العالم يفرض علينا الوحدة والعمل المشترك وعدم الإقصاء. لقد تغيرت أساليب العمل السياسي في مختلف الأنظمة السياسية، وحتى الأسس النظرية للديمقراطية باتت محل مراجعة في الغرب ذاته، وكثير من الدول باتت تكيف نظامها السياسي وفق خصوصيتها التاريخية وتجربتها الذاتية.. والجزائر بطبيعة تراثها وتاريخها العريق وخصوصية ثقافتها السياسية وخبرتها في مجال التعامل مع الأزمات المحلية والدولية، هي الآن مؤهلة أكثر لِبلورة نموذج سياسي متميز لكيفية التعامل مع نظام عالمي مضطرب والنجاح فيه من خلال إجراء انتخابات هادئة أولا، يليها طرح مشروع برنامج تنفيذي مشترك، يطرحه الفائز ولا يكون حكرا عليه…!! مفارقة قد تبدو للوهلة الأولى غريبة عن الممارسة الديمقراطية التقليدية، ولكنها ليست كذلك عندما نعرف أن كل أسس الديمقراطية الغربية اليوم هي محل مراجعة نظرية وعلى المستوى التطبيقي في كافة دول العالم… لِمَ لا نُبادر نحن، إضافة إلى الاستباق الذي قمنا به، إلى استحداث للفعل بهذا المعنى، ضمن رؤية استشرافية متميزة نصوغها بهدوء في هذا العالم المضطرب…