-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

ذبابٌ أزرق في أيام سود

ذبابٌ أزرق في أيام سود

عندما هبّت رياح الموت عصفا، بمدن وقرى مغربية عديدة، كان لزاما أن ينسى الناس، في لحظة ولحظات، كل تلك الخلافات، مهما كانت عميقة وجارحة، فالموت هو الحق الوحيد الذي يُبطل كل ما ظنناه حقا، فلم تكن لهفة وحزن الجزائريين على ضحايا تلك المشاهد الحزينة القادمة من المغرب، تمثيلا في مسرحية عابرة، ولا ذاك الاستعداد السيادي من الدولة، لأجل مساعدة الشعب المغربي الذي أدماه الزلزال العنيف، فما حدث في كارثة تركيا وسوريا، من ألم هناك ووجع هنا، تكرّر بالمشاعر نفسها، وزادها الجوار قطراتِ إحساس إضافية نابعة من القلب.

حصيلة الموت ظلت وبقيت ترتفع من ساعة إلى أخرى، فالمصيبة مهولة، وما سيتجرعه الشعب المغربي في قادم الأيام، سيكون أكثر إيلاما من وجع الزلزال نفسه، ولن يجد غير الأشقاء الذي وقفوا إلى جانبه في محن كثيرة، ومنها زلزالي أغادير والحسيمة، إذ كان الجزائريون دائما أول من يهبّ لمساعدة الشعب المغربي بسخائه المعروف، وذاك واجبٌ يقتضيه حسنُ الجوار.

إلى هنا تبدو الأمور طبيعية، ولا تحتاج حتى تعليقا، ولا نقول شكرا أو ثناءً، لكن أن يخرج الذباب نفسه، الذي يبدو أنه مأمور، بل إنه كذلك، مدعّما بنفس الذباب الأجنبي الأجير، ليُنسي المغاربة في مآسيهم كما فعل دائما، فلا يدعوهم حتى لمساعدة إخوانهم المنكوبين، وهذا من أجل ملء الدنيا أزيزا، بتحوير كل المشاعر النبيلة للجزائريين بعناوين لا يمكن وصفها بالعدوانية فقط مثل: “لا نريد مساعدة من الأعداء، لا تقبلوا عدس الجزائر ودقلة نورها المسمومة”، وإنما هي عناوين مجنونة، تبصم على أن هؤلاء هم أكبر عدو للشعب المغربي، وهم فعلا ذبابٌ أزرق معروف عنه بأنه يقتات من العفن ومن الجيف والجثث، بما في ذلك جثث ضحايا الزلزال.

كان يمكن لأي رجل دولة مغربي أن يوقف هذا العبث، بأمر صارم أو حتى بأمر سري لا يسمعه أحد، ولكن أن تنطلق أصوات الأزيز في شبه كرنفال واحد ومن الجوق ذاته، وتتبعها أصوات أزيز أبواقها من بعض الجزائريين الخونة، الذين يشاركون مثل الصدى، فهذا يؤكد ما قيل دائما بأن الأمر مخطط له، والحالة ميؤوس من علاجها، ما دام الموت وما أدراك ما سواده، لم يغيّر من أزيزها شيئا، عدا لون الذباب من الداكن إلى الأزرق الذي يتغذَّى من جثث أهالي الحوز وأزيلال وشيشاوة وغيرها من قرى المغرب، التي تحصي موتاها، فلا تجد من حام لها سوى ربِّها الخالق.

لن يؤثر أزيز الذباب الأزرق شيئا في مشاعر الجزائريين، فقد كان قدرهم أن تكون الشهامة والكرم من صفاتهم، ولكنه يؤثر، بالتأكيد، في الشعب المغربي البسيط والحزين، فهو في حاجة إلى مواساة معنوية ومساعدات مادية، في محنته، وليس إلى أزيز من أبناء جلدته، الذين تحوّلوا إلى ذباب أزرق في أيام سود.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!