-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

“ذكاء المكان”…كيف تتدخل الأشياء في صياغة أصواتنا؟

“ذكاء المكان”…كيف تتدخل الأشياء في صياغة أصواتنا؟

يخيّل إليّ أن الإنسان حين صنع أول أداة لم يكن يتوقع أن هذه الأداة ستعود بعد آلاف السنين لتطالبه بنصيب من وعيه، لأن العلاقة التي نشأت بينه وبين الأشياء كانت تبدو في بدايتها بسيطة إلى حد السذاجة، إذ تخيّل أنها مجرد ممتدات ليده وقوته وحاجته، ثم استيقظ بعد رحلة طويلة ليكتشف أن الأشياء لم تعد تكتفي بأن تكون أدواته، وإنما أصبحت أطرافا إضافية لعقله ذاته، بحيث أصبح العالم المادي المحيط بنا مشغولا بتوجيهنا بينما نظن أننا نحن من نوجهه.
ويظهر هذا التحول واضحا حين ننظر إلى الهاتف الذي نحمله معنا في كل خطوة، لأننا نتصور أننا نتحكم به بينما يقوم هو بإعادة صياغة علاقتنا بالزمن، فيصل بيننا وبين الآخرين بسرعة لا تناسب طاقة المشاعر التي نحملها، ويقيس نبضات قلوبنا، ويحدد ملامح يومنا، ويخلق وهما بأن العالم متاح بكامل تفاصيله أمام شاشة صغيرة، فيتحول من أداة إلى لحظة ذهنية نعيش داخلها، وتصبح كل صورة نتلقاها عبره جزءا من نبرة وعينا، ويغدو مجرد وجوده في جيبنا كافيا لجعلنا مستعدين نفسيًا لأي شيء حتى قبل حدوثه.
ويبدو الأمر أعمق حين نفكر في الأشياء التي لا نلتفت إليها عادة، مثل الطاولة التي نجلس إليها، والكرسي الذي يتشكل حول أجسادنا بطريقة تجبرنا على هيئة معينة، والمدينة التي نصحو فيها، والمقهى الذي نختاره دون إدراك أن تصميمه يوجه طريقة تفكيرنا، إذ يمكن للأثاث أن يوسع دائرة الحوار أو يضيقها، ويمكن للنافذة أن تمنحنا خيالا مختلفا عن ذلك الذي تمنحه الجدران المغلقة، ويمكن للإنارة أن تجعلنا أكثر عقلانية أو أكثر ميلا إلى التأمل، فتدخل الأشياء إلى عمق وعينا من خلال تأثيرها في الجسد، ثم تخرج من الجسد نحو الذهن باعتبارها إحدى القوى الصامتة التي تشكّل طريقة رؤيتنا للأحداث.
وقد صار الإنسان يعيش اليوم في مرحلة جديدة يمكن وصفها بأنها عصر التفاوض بين الوعي وما حوله من كيانات مادية، لأن كل شيء من حوله يسعى إلى احتلال مساحة من تفكيره، ويطالب بنصيب من علاقته بالزمن، ويعيد تركيب مشاعره وفق سياقات غير مرئية، حتى إن غرفة النوم مثلا تخلق عقلا مختلفا تماما عن العقل الذي يتشكل في الشارع، والشارع يخلق وعيا مغايرا عن ذلك الذي يولد في المكتب، والمكتب يؤسس بنية فكرية لا تشبه تلك التي تنمو في المقاهي، وكأن العالم المادي يوزع علينا عقولًا متعددة نرتديها كما نرتدي الملابس، فيصبح الإنسان واحدا بقدر ما هو متعدد.
ويمتد تأثير الأشياء إلى ما هو أعمق من المزاج، ليصل إلى مستوى الخيارات الوجودية الكبرى، حيث يكتشف الإنسان أنه يختار نوع حياته وفق نوع الأشياء التي يعيش معها، إذ يمكن لبيت صغير مزدحم بالأغراض أن ينتج شعورا بالثقل يجعل قرارات صاحبه أكثر حذرا، ويمكن لهاتف سريع الإيقاع أن يجعل صاحبه أكثر ميلا إلى الاستعجال، ويمكن لمدينة مزدحمة أن تترك داخل النفوس قلقا غير قابل للتفسير، في حين يمكن لمكتبة بسيطة أن تزرع داخل صاحبها قدرة على التريث والتأمل، فتبدو الأشياء وكأنها قادرة على صناعة طبقات نفسية كاملة يسير الإنسان فوقها دون أن ينتبه إلى أنها تشكلت بفعل المواد المحيطة به.
ويتأكد أثر الأشياء والمكان حين نلاحظ التفاوت الكبير في طريقة تعبير الصحفي أو الكاتب أو الباحث بين لحظة يتحدث فيها مع صديق مقرّب في جلسة صغيرة هادئة داخل مقهى يعرف رائحته وتفاصيل طاولته وانعكاس الضوء على زجاجه، وبين لحظة يُستضاف فيها في وسيلة إعلامية ضخمة تحيطه فيها الكاميرات والأضواء والميكروفونات وأسلاك الكهرباء التي تذكره بأن كل كلمة يقولها ستكون محسوبة عليه، فيرتفع صوته بطريقة لا تليق به عادة، ويتحرك جسده كما لو أن المكان يفرض عليه إيقاعا مختلفا، ثم يعود هذا الشخص نفسه إلى مكتبه الهادئ حيث نافذة واحدة وكرسي ينسجم مع جسده وورقة يكتب فوقها دون استعجال، فيتحول فكره فجأة إلى مساحة أكثر صفاء، وتخرج جمل لا يمكن أن يقولها في التلفاز ولا حتى في المقهى، كأن الإنسان يمتلك أكثر من نفس واحدة تتشكل كلها وفق المكان الذي يقف فيه. وهنا يظهر أن المثقف المحنك لا يُقاس بكمية المعلومات التي يحملها بقدر ما يُقاس بقدرته على إدراك كيف يتدخل المكان في صياغة صوته، وأن قوة الفكر لا تظهر فقط في شجاعة المضمون وإنما في مهارة اختيار السياق الذي يظهر فيه هذا المضمون، لأن من يفهم أثر المكان يفهم حدود ذاته، ومن يدرك أن كلامه يتغير بين المقهى والورقة والاستوديو يدرك كذلك أن الحقيقة التي يحملها تحتاج إلى فضاء يناسبها حتى تصل صافية، وأن الوعي الذي يريده للعالم لا يمكن أن يولد كاملا إلا حين يعرف كيف يضع نفسه في المكان الذي يسمح لصوته بأن يكون صوته الحقيقي، لا صدى لما تمليه عليه الأشياء المحيطة به.
وقد يكون السؤال الأكثر إثارة هنا هو ذلك الذي يتحدث عن حدود استقلالنا: هل لا يزال الإنسان يمتلك وعيه الخالص أم أن وعيه أصبح خليطا من تأثيراته الخاصة وتأثيرات الأشياء التي ترافقه؟ وهل يمكن للمرء أن يفكر في فكرة نقية دون أن يتدخل فيها كرسيه ومكتبه وهاتفه ونافذته والمكان الذي يجلس فيه؟ لأن كل هذه العناصر تدخل في صناعة الفكرة قبل أن تنضج، وتؤدي دورا يشبه عمل الإضاءة في المسرح، إذ لا يمكن للممثل أن يؤدي المشهد ذاته تحت ضوء مختلف دون أن يتغير أداؤه.
ويبدو أن العالم المعاصر يدفعنا نحو شكل جديد من الفلسفة، فلسفة تدرس الأشياء كما لو كانت كائنات لها إرادة، حتى وإن كانت إرادة صامتة، لأن الأشياء لم تعد تكتفي بأن تحمل آثارنا، وإنما أصبحت تترك آثارها فينا، ومن هنا تظهر الحاجة إلى علاقة أكثر وعيا بين الإنسان وما ينتجه، علاقة لا يشعر فيها بأن الأشياء امتداد لسلطته، وإنما يدرك أنها شريكة في إنتاج إيقاع حياته، وأن فهم ذاته لا يكتمل دون فهم ما يحيط به من أدوات ومساحات وأجهزة، لأن هذه الأشياء تشاركه التفكير في اللحظة نفسها التي يظن أنه يفكر فيها وحده.
وقد نصل في نهاية هذا التأمل الطويل إلى فكرة تبدو غريبة في ظاهرها، غير أنها تحمل منطقًا عميقًا: الأشياء ليست مجرد خلفية لحياتنا، وإنما هي نص جانبي يكتب نفسه.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!