-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

ذكرى المولد النبوي بين الاحتفاء والاقتداء

ناصر حمدادوش
  • 42
  • 0
ذكرى المولد النبوي بين الاحتفاء والاقتداء

تطلُّ علينا ذكرى المولد النبوي الشريف، كلما أهلَّ علينا شهر «ربيع الأول» من كلِّ سنةٍ هجرية، كإشراقةٍ نورانية متجدِّدة، تحمل في طياتها أنوار النبوة وهدايات الرسالة وأسرار الميلاد، فلقد كان الانبعاثُ النَّبويُّ ولحظةُ الوجود الشريفِ في الأمَّة من أعظم نِعَم الله تعالى عليها، وهي النِّعمة التي يجب أنْ تُذكرُ فتُشكرُ، قال تعالى: «لقد مَنَّ اللهُ على

المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفُسِهم..»(آل عمران:164)، وهي الحَدَث الكوني العظيم، الذي غيَّر مجرى التاريخ، ومحطَّةٌ عزيزةٌ لتجديد العلاقة المقدَّسة برسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي المناسبة التي ينقسم المحتفلون بها بين مظاهر «الاحتفاء» وبين غايتها الأسمى، وهي: «الاقتداء»، إذْ أنَّ الفقه الحي يقتضي التعامل معها: بالجمع بين أشكال الاحتفاء وأسرار الاقتداء.

لا يحتاج الاحتفال بالمولد النبوي الشريف إلى دليلٍ صريح، بل إلى قلبٍ صادقٍ صحيح، فلا ينتظر جدلاً فقهيًّا في حكمه ليعكِّر عليه صفاء المناسبة، لأنَّ قلب المؤمن الصَّادق يطير شوقًا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في كلِّ مناسبةٍ تذكِّره به، «فإنَّ الذكرى تنفع المؤمنين»، ولا يمكن لهذا التاريخ أنْ يطويه الزَّمان بالنِّسيان سكوتًا، ناهيك أنْ يشوِّهه تنطُّعٌ في الدِّين بتبديعه صراخًا، فالمحبُّ يطالعه ذلك الحديث النَّبوي الشَّريف الذي يذكِّره بهذا المولد الأغرِّ، بما ثبت في صحيح الإمام مسلم أنَّ من أسباب التَّفاعل مع الزَّمان أسبوعيًّا بيوم الاثنين هو اقترانه بمولده صلى الله عليه وسلم، وهو القائل عن عِلة صيامه دائمًا: «ذلك يومٌ وُلدت فيه»، وأنَّ الفرح بمَقْدَمه صلى الله عليه وسلم إلى الدُّنيا لا يَقِلُّ فرحًا عمليًّا بصوم عاشوراء -أيضًا- لعِلَّةٍ سياسيةٍ وتاريخية، وهي: نجاة سيِّدنا موسى عليه السَّلام من فرعون وجنوده. قال الحافظ «ابن حجر العسقلاني»(ت: 852هـ /1449م)، بعد أنْ خرَّج أصل مشروعية «المولد» على الثابت من صيام عاشوراء، وأنَّه

«بدعةٌ حسنة»، قال: «فيُستفاد منه فعلُ الشُّكر لله تعالى على ما منَّ به في يومٍ معيَّن، من إسداء نعمةٍ أو دفع نقمة، ويُعاد ذلك نظير ذلك اليوم من كلِّ سنة… وأيُّ نعمةٍ أعظم من النِّعمة ببروز هذا النبي صلى الله عليه وسلم، الذي هو نبي الرَّحمة في ذلك اليوم».

ولا شكَّ بأنَّ الاحتفاء المعبِّر عن حبِّ رسول الله صلى الله عليه وسلَّم لا يتوقَّف عند حدود الكلمات ومظاهر الاحتفالات، وإنما هي المحبَّة العملية التي تنقلنا من الاحتفاء المجرَّد إلى الاقتداء المجسَّد بالإتِّباع، ولقد عبَّرت الحقيقة القرآنية عن هذه العلاقة التلازمية بينهما في قوله تعالى: «قل إنْ كنتم تحبُّون الله فاتَّبعوني يُحببكم الله..»( آل

عمران: 31).

ومن العبارات التي انتشرت في الحديث عن الاقتداء هي: «إتِّباع سُنَّته صلى الله عليه وسلم»، فيتَّجه الذِّهن في الإتِّباع إلى السُّنن والفضائل، وهو فَهْمٌ مُخلٌّ بحقيقة الاقتداء، إذْ أنَّ السُّنة من المفاهيم الشَّرعية ذات الحمولات العلمية والعملية الواسعة، والتي لا يمكن اخترالها في مجرد اصطلاحٍ لغويٍّ ضيق، يحاول البعض التحكُّم في معانيه بحسب

المقاسات المذهبية أو السُّقوف الأيديولوجية، إذْ أنَّ لفظ «السُّنة» يَشِعُّ بآثارٍ شاملةٍ للحياة الدينية والدنيوية على الأمَّة جميعًا، فهو لفظٌ زاخرٌ بالدلالات المتنوِّعة في لغة العرب، وفي الاصطلاح القرآني والنبوي، وفي التداول المكثَّف للصَّحابة رضوان الله عليهم، وفي الاصطلاح العلمي لعلمائنا على اختلاف تخصُّصاتهم، فهو يتجاوز المفاهيم المختزلة، للزَّخم الذي يزخر به من الدلالات اللغوية والاصطلاحية الثرية، فيأبى التوظيف الانتقائي.

والسُّنة في اللغة هي الطريق، فنقول: «طريقٌ سَنَّهُ الأوائل، فصار مَسْلَكًا لمَن بعدهم»، وهي: السِّيرة، كما يقول الشاعر:

فلا تجزعنَّ من سِيرةٍ أنت سِرْتَها ***  فأوَّلُ راضٍ سُنَّةً مَن يسيرها.

وهي: العادة، كما قال تعالى: «سُنَّت الله التي قد خَلَت في عباده..»( غافر:85)، أي عادته في الأمم السَّابقة.

أمَّا السُّنة في الاصطلاح فتختلف استعمالاتها على اختلاف الاختصاص؛ فهي عند أهل الحديث: «ما أُضِيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم من قولٍ أو فِعلٍ أو تقريرٍ أو صِفة خِلقية أو خُلُقية»، فهي مرادفةٌ لِلَفظ: «الحديث» بالمعنى الخاص، سواء كان تشريعًا أو غير تشريع.

وهي عند علماء الفقه: «ما يُثابُ على فعله، ولا يُعاقب على تركه»، ومن الفقهاء مَن فرَّق

بين السُّنة والمندوب والمستحب والفضيلة، فالمندوب هو المُتطَوَّع به، وهو درجات، أعلاه: السُّنة، ودونه: المستحب وهو الفضيلة، ودونه: النافلة، فالسُّنة عند المالكية هي أعلى مراتب المندوب، وهو ما واظب عليه النبي صلى الله عليه وسلم ولم يكن واجبًا،

كقيام الليل وصلاة العيدين والوِتر وسجود السَّهو.. وغيره.

وهي عند علماء أصول الفقه: «ما استُنبِط من الأحكام من قول النبي صلى الله عليه وسلم أو

فعله أو تقريره، مما لم يُنَصُّ عليه في القرآن الكريم، فهي تُعدُّ هنا مصدرًا من مصادر التشريع الإسلامي.

وهي عند علماء العقيدة: «ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم اعتقادًا واقتصادًا، قولا وعملا، من الطريقة السَّالمة من الشُّبهات والشَّهوات»، فهي تقابل هنا: «البدعة»، فيُقال: فلانٌ على السُّنة، إذا كان عمله موافقًا لِمَا كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم.

كما يُطلق لفظ «السُّنة» أيضًا على عمل الصَّحابة رضوان الله عليهم، كما جاء في الحديث: «عليكم بسُنَّتي وسُنَّة الخلفاء الرَّاشدين المهديين..»، فقد أضاف النبي صلى الله عليه وسلم لفظ «السُّنة» إليهم، والمؤكد أنها ليست مما ورد في القرآن الكريم، ولا في الحديث النبوي الشريف، وإلا لَمَا نُسِبت إليهم.

إنَّ توسيع النَّظر إلى مفهوم السُّنة يضعنا أمام حقيقة الاحتفاء والارتقاء إلى سُلَّم الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم، فنتجاوز مفهوم السُّنة في فضائل الأعمال، ونتَّجه به إلى الأبعاد الكبرى من معالم الفقه الحضاري للسُّنة النبوية الشريفة والسيرة النبوية العطرة.

وقد تحدَّث الدكتور يوسف القرضاوي، عليه رحمة الله في كتابه: «السُّنة مصدرٌ للمعرفة والحضارة» عن السُّنة كمصدرٍ للحضارة، فتحدَّث عن الفقه الحضاري في السُّنة، وأوضح ملامحه في المعالم التالية:

1)  فقه السُّنن: والمقصود بهذه السُّنن: النواميس والقوانين الإلهية الثابتة والمطَّردة في الكون والمجتمع، ويعتقد البعض أنَّ السُّنة لا تشتمل إلاَّ على فقه الشَّعائر التعبُّدية، ولا تشتمل على أنواعٍ أخرى من الفقه، ومنها: الفقه الحضاري، والأحاديث في «فقه السُّنن الحضارية» كثيرةٌ في قانون السَّببية، التي تربط بين المعاصي والمنكرات وبين آثارها

المدمِّرة على الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسِّياسية للأفراد والدول والحضارات، وأنَّ

تعطيل سُنَّة التدافع وغياب ضرورة المعارضة سببٌ في تعميم العقوبة الإلهية لعموم المسؤولية السِّياسية والأخلاقية، فقال صلى الله عليه وسلم: «إنَّ الناس إذا رأوا المنكر ولا يغيِّرونه أوشك الله أنْ يَعُمَّهم بعقابه»، وأخطر المنكرات: منكرات الشَّأن العامّ.

2)  فقه المعرفة: والمقصود بهذا الفقه أنْ تصل الأمَّة بعلمائها إلى درجة الاجتهاد في الدِّين

والابتكار في الدُّنيا، وهو الفقهُ المؤسَّس على القيم والأصول التي جاءت بها السُّنة النبوية في تأصيل المعرفة، وصناعة العقلية العلمية والموضوعية، وبناء الفكر الحضاري الرَّصين، كرفض التقليد الأعمى في قوله صلى الله عليه وسلم: «لا تكونوا إمَّعة تقولون: إنْ أحسن الناس أحسنَّا، وإنْ أساؤوا أسأنا، ولكن وطِّنوا أنفسكم..».

3)  فقه الحياة: والمقصود بهذا الفقه هو المعرفة اليقينية العلمية والعملية بقيمة الحياة وقُدسيتها، ووجوب الأمل بها والإيجابية فيها، وقد شرَّع النبي صلى الله عليه وسلم العقيقة فرحًا بنعمة الولد والاحتفال بقدومه إلى الحياة، وقد عَقَّ النبي صلى الله عليه وسلم عن نفسه، دليلا على الاحتفال بمولده، بل اعتبر طول العمر من أعظم النِّعم، إنْ كان ضمن «فقه الحياة»، وقد سُئل: أيُّ النَّاس خير؟ فقال: «مَن طال عمرُه، وحَسُن عملُه»، وجعل امتداد العمر من أعظم الجزاء على السُّلوك الحضاري، فقال صلى الله عليه وسلم: «مَن سرَّه أنْ يُمدَّ له في عمره، ويُزاد له في رزقه، فليَبَرَّ وَالِديْه وليَصِل رَحِمَه».

4)  فقهُ المقاصد الشَّرعية: وهو الانتقال من الفقه التقليدي الذي يتوقَّف عند الجزئيات الفرعية، إلى الفقه الحضاري، بمعرفة مقاصد الشريعة الكلِّية وأسرارها الحقيقية، وقد أكَّدت السُّنة أنَّ صور الشَّعائر التعبُّدية لا قيمة لها دون تحقيق مقاصدها الاجتماعية وثمراتها الأخلاقية ونتائجها الحضارية، كما قال صلى الله عليه وسلم عن الصَّلاة، مثلا: «مَن لم تنهَهُ صلاتُه عن الفحشاء والمنكر فلا صلاة له».

لقد اتَّجه العقل المقاصدي سابقًا إلى التركيز على فقه المقاصد التشريعية التفصيلية، وهو بذلك يختزل الشريعة اختزالا مُخِلًّا في الأحكام الفقهية فيما يتعلق بالمكلَّف كفرد، ولم يستوعب كلَّ جوانب الشَّريعة العظيمة: الحضارية والمعرفية، وما يتعلق بالمكلَّف فيها كجماعاتٍ ومجتمعٍ ودولةٍ وأمَّة.

وهو ما يعني الاقتداء به صلَّى الله عليه وسلَّم في الكلِّيات قبل الجزئيات، وفي الثوابت قبل المتغيِّرات، وفي الأصول قبل الفروع، وفي الضَّروريات قبل الحاجيات والتحسينيات، وفي الجواهر قبل المظاهر، وفي الأفعال والأحوال قبل الأقوال، والانتقالُ في الاقتداءِ به من منزلة السُّنَّة بتعريفها الأصولي، وهي التي يُثاب فاعلُها ولا يُعاقبُ تاركُها، إلى السُّنَّة الواجبة، بمعنى: الطَّريقة والمنهج والقانون المطَّرد في الحياة والأحياء.

ولعلَّ الموقع التعبيري لآية الاقتداء: «لقد كان لكم في رسولِ الله أسوةٌ حَسنةٌ..»(الأحزاب:21)، جاء في سياق اللَّحظات الحرجة في غزوة الأحزاب، وهي تعالج واقعًا مأساويًّا، وظرفًا صعبًا في ساحات الصِّراع المرير: السِّياسي والعسكري والحضاري،

وهي اللَّحظات الاختبارية الحاسمة في صدق الامتثال وصحة الاقتداء، في كلِّ الظُّروف

والأحوال.

إنَّ العلم بوجوده صلَّى الله عليه وسلَّم فينا واجبٌ، كما قال تعالى: «واعلموا أنَّ فيكم رسولَ الله..» (الحجرات:07)، وهذا النَّسق المعرفي لسنَّته بالمفهوم الشَّامل يتطلَّب التدقيق في الجوانب الحقيقية للاقتداء، وفي المراحل الزَّمانية للاقتداء، وفي كيفيات الاستدعاء وفقه التنزيل المعاصر لهذا الاقتداء.

إنَّ النَّظرة المقاصدية في الاحتفال بالمولد النَّبوي الشريف تتجاوز رمزية المناسبة إلى شرف استدعاء نسماتِ صاحبِها في حياتنا، ذلك أنَّ هذا الوجود النَّبوي بيننا هو مصدرُ الأمان لهذه الأمَّة، فلا يجوز تغييب شخصيته والغفلة عن حضورِها الدائم بيننا والممتدة فينا، وهو ما يؤكِّد عليه النَّص القرآني الخالد، في قوله تعالى: «وما كان الله ليعذَّبهم وأنت

فيهم..»(الأنفال:33).

إنَّ النَّظرة المقاصدية في الاحتفال بالمولد النَّبوي الشريف تتجاوز رمزية المناسبة إلى شرف استدعاء نسماتِ صاحبِها في حياتنا، ذلك أنَّ هذا الوجود النَّبوي بيننا هو مصدرُ الأمان لهذه الأمَّة، فلا يجوز تغييب شخصيته والغفلة عن حضورِها الدائم بيننا والممتدة فينا، وهو ما يؤكِّد عليه النَّص القرآني الخالد، في قوله تعالى: «وما كان الله ليعذَّبهم وأنت فيهم..»(الأنفال:33).

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!