رجال لا يموتون بالتقادم!
مصيبة “الجيل الجديد”، أنه لا يعرف أبطال وفرسان “الجيل القديم”، والطامة الكبرى، أن “جيل الاستقلال” لا يعرف كثيرا عن “جيل الثورة”، مثلما لا يريد جيل الثورة أن يفهم جيل الإستقلال، حتى وإن كان ذاك الشبل من ذاك الأسد، وحتى إن كان جيل الشباب ثوري بالفطرة، مثلما كان جيل الشيوخ ثائر بالوراثة.
لا ينبغي أن نلوم الجيل الجديد، إذا كان جزءا منه، لا يعرف الكثير من الأسماء الخالدة، وتلك التي رسمت التاريخ وأرّخت لأحداث الجزائر، ولا يجب أن نلوم هذا الجيل المُغمض العينين، إذا فاجأنا بمعرفته الضيقة بالعربي بن مهيدي وسي الحواس وعلي لابوانت والشيخ الإبراهيمي وبوعمامة وبن باديس وهواري بومدين!
لا يجب أن نلوم الجيل الجديد لأنه لا يعرف إلاّ قليل القليل عن أحمد بن بلة ومحمد بوضياف والشاذلي بن جديد، وعلي كافي ورضا مالك، ورابح بيطاط وأحمد مدغري وشريف مساعدية، ولكحل عياط وقاصدي مرباح، وغيرهم من الشخصيات والوجوه التي تبوّأت مناصب حساسة في دواليب الحكم والمسؤولية خلال مراحل مختلفة من محطات الجزائر المعاصرة!
إنّ المسؤولية يتحملها الجيل القديم.. يتحملها الآباء والأجداد، الذين لم يعرّفوا أبنائهم وبناتهم، وأحفادهم، بكلّ الأسماء التي خلفت بصماتها هنا وهناك، ولا يهم إن كانت بصمة سوداء أو بيضاء، المهمّ أن يتمّ تسليط الأضواء عليها، حتى لا يُظلم أحد في ميزان التاريخ!
نعم، من العيب، أن يجهل الجيل الجديد تفاصيل حياة الجيل القديم الذي فيه من ضحى واستشهد وبنى وشيّد وتنازل عن عائلته وأبنائه وحقوقه وعاش طول حياته مظلوما مهمّشا ومهشـّما، وفيه من اشتغل بالمجان فداء وقربانا لجزائر الأحرار والشهداء الأبرار.
هذا لا يعني بأيّ شكل من الأشكال، أن ليس بين الجيل القديم، من يتحمل قسطا من وزر ما تـُعانيه اليوم فئات واسعة من الجزائريين، ممّن تشعر بالإقصاء و”الحڤرة” والرغبة في الانتقام وردّ الصاع صاعين وتتهم البعض من “الحرس القديم” بالتملّص من واجب الوفاء والولاء!
..لهذا ولغيره، كان الأجدر بالجيل القديم، أن يلقـّن الجيل الجديد، تاريخه، وأصله وفصله، ويعرّفه بقياداته الثورية والسياسية، ويُبعده عن منطق تصفية الحسابات والثأر، وعدوى الشعور بالظلم وعدم الإنصاف، بعيدا عن المحاكمات الاستعراضية والأحكام المسبقة وتهمة خيانة الأمانة!
من العار أن يتعامل هؤلاء مع أولئك، بعقلية: “كي كان حيّ مشتاق تمرة، وكي مات علقولو عرجون”، لكن ليس من المعقول ولا المقبول، أن يُمارس السابقون التعتيم والتنويم في حقّ اللاحقين، فيطفئون عليهم الأضواء، ويتعمّدون إبقاءهم في حلكة الظلمة، حتى لا يرون الحقيقة!
إن الحقيقة، تمنح الحقّ لأصحابه، ولذلك على الجيل القديم أن ينوّر طريق الجيل الجديد، بالحقائق الظاهرة والمخفية، إنصافا للتاريخ والرجال، وفي كلّ الأحوال، هذا لا يمنع من الحساب، ومن الجزاء والعقاب، كما لا يمنع تكريم المستحقين وتشريفهم بنياشين الاعتراف والتقدير.
من بين أهمّ أزماتنا، أن اللاحقين يلعنون السابقين، والسابقين يتفـّهون اللاحقين، فألا يعترف المؤرّخ والباحث والمدرسة والمسجد والعائلة والجامعة والمسرح والسينما والإعلام والنخبة، بمسؤوليتهم التي جعلت من مشاهير هوليود أشهر من أبطال ورجال لا يموتون أبدا بالتقادم؟