رجل من الدولة العميقة لحراسة حوار النظام مع نفسه
الحكومة الجديدة المشكلة من مادة أعيد تدويرها، جاءت في صيغة تعديل وزاري محدود غطى على التغيير الفعلي لرأس الوزارة، بإبعاد خادم رجال الدولة الأول، واستبعاد غريمه بلخادم، في توافق مؤقت على رجل قادم من الدولة العميقة، لن يشوش على حلقات حوار النظام مع نفسه قبل التوافق على كبير من القوم، لخلافة الرئيس في الربع الأخير من العهدة.
التشكيل الحكومي الجديد، المنتظر منذ أكثر من أربعة أشهر جاء متأخرا وقاصرا، وربما جاء بعضه تحت الضغط أكثر منه استجابة لحاجة البلاد إلى حكومة جديدة تقود الإصلاح، إذا ما كانت ثمة أصلا نية في الإصلاح.
فقد جاء متأخرا، لأن توقيته الموضوعي كان ما بعد الخروج من التشريعيات مباشرة، حتى يجسد فعلا العلاقة المفترضة بين شكل الحكومة وتشكيلة البرلمان الجديد، باستبعاد بعض أطراف التحالف التي خرجت من التشريعيات مهزومة منكسرة، مثل حمس والتجمع الوطني الديمقراطي، وتولية القوى الفائزة، حتى مع صرف النظر عن التزوير القبلي الذي شهده الاستحقاق من جهة التدبير الكيدي في قانون الانتخابات.
.
الإفراج المؤقت لوزارة التربية
وهو قاصر ومحدود، لأنه لم يحدث أي تغيير على مستوى ما يسمى بوزارات السيادة، التي احتفظ أصحابها بحقائبهم، كما هو حال نائب وزير الدفاع، والخارجية، والعدل، والداخلية، والوزارات الكبيرة ذات الشأن، ونجا كثير من حملة حقائب الوزارات الخدمية والاجتماعية من قرار الترحيل، إما بالتثبيت أو بالترحيل المريح إلى وزارة أخرى، حتى أن التغيير الوحيد الحقيقي اللافت، جاء مع إبعاد وزير التربية، وعميد الوزراء على المستوى العالمي السيد بن بوزيد، الذي احتفظ بالوزارة 19 سنة، دخل الوزارة مع من دخل من صبيتنا القسم التحضيري بداية التسعينيات، وتخرج متخلفا عن حملة “الألامدي” منهم بسنة أو أكثر.
بعض الوزراء قد ينهون مع الرئيس عهدته الثالثة، وقد دخلوا في حكوماته الأولى، مثل خليدة تومي، عمار تو، لوح، وقد التحق بهم حملة حقائب الشؤون الدينية والخارجية، في سياق قد يحمد عليه الرئيس، لو أن المعمرين من وزرائه كانوا على قدر الثقة، وبمستوى من الإنجازات يبرر تجديد الثقة فيهم.
.
وزير أول في إدارة رئاسية بالتأويل
وقد يستنتج من هذا الاستقرار في تشكيلة الحكومات المتعاقبة، أن رئيس الجمهورية كان في الجملة راضيا على أداء الوزراء، فيما استهلك كثيرا من رؤساء الحكومة، أو يكون قد أراد الخروج من التداول الثنائي على المنصب بين أويحيى وبلخادم، أو أنه إنما أراد إنجاز القطيعة مع مفهوم حكومة الائتلاف والتحالف الرئاسي، ليدخل في سياق النظام الرئاسي الصرف، حتى بعد أن تعذر عليه تثبيته على المستوى الدستوري.
وفي هذا السياق، فإن الوزير الأول الجديد يكون، حين صرح قبل الإعلان عن التشكيلة بقليل: أن أمرها يعود لرئيس الجمهورية وحده، يكون إما رجل دولة على دراية بميزان القوة الذي يخضع له تشكيل الحكومة في الجزائر منذ الاستقلال، أو أنه استبق الانتقادات المتوقعة بعد تشكيل الحكومة ليبرئ نفسه، ويعتذر لمن سيرحل ومن لن يستقدم للحكومة الجديدة، أو أنه إنما أراد بهذا التصريح أن يثبت في الأذهان، أننا قد انتقلنا فعلا من حكومة ائتلاف رئاسي، لها صلة بثقل الأحزاب في البرلمان، إلى حكومة رئاسية صرفة، الكلمة الفصل فيها للرئيس.
.
توزير توافقي لرجل من الدولة العميقة
هذه القراءة الأولية للتشكيلة الجديدة تبقى سطحية، بالنظر إلى الظروف المعقدة التي تحيط بتشكيل الحكومة في الجزائر، وتحديدا مع اقتراب نهاية العهدة الثالثة للرئيس، والبحث المحموم عن خلف يرضي أصحاب القرار أو على الأقل التوصل إلى صيغة توافقية حول مقاييس الاختبار.
فالملاحظة الأولى الأهم في التشكيلة، هي خلع عباءة الحزبية عن التشكيلة الجديدة، حتى مع تواجد ممثلين كثر، سواء عن الأحزاب صاحبة الأغلبية في البرلمان، أو من الأحزاب الجديدة، وحتى عن الأحزاب التي صرحت قياداتها من قبل: بالامتناع عن المشاركة في الحكومة مثل حركة حمس، الممثلة رغم أنف قياداتها بثلاثة وزراء، هم اليوم في تعداد المنشقين عن الحركة.
فلأول مرة منذ 1999 يتولى رئاسة الحكومة شخصية غير محسوبة على المشهد السياسي. فالسيد سلال محسوب على الدولة العميقة، موظف سامي في الدولة ورثه الرئيس من حقبة سابقة، قد يحسب على التقنوقراط، كما هم في الحقيقة حال معظم الوزراء حتى مع انتمائهم للأحزاب، وهو على الأرجح إنتاج لحل وسط بين صانعي القرار، حسم التردد بين الأفلان والأرندي، وربما أريد من خلال اختيار السيد سلال، تحييد الحكومة عن الترتيبات والصراعات، التي تكون قد بدأت للبحث عن مرشح الدولة لخلافة الرئيس بوتفليقة سنة 2014 .
.
خادم رجال الدولة ليس دائما سيدهم
فقد كان من الصعب التوافق على تجديد العهدة للأمين العام للتجمع الوطني، أو تولية مرشح من جبهة التحرير لأكثر من سبب. فالسيد أويحيى يسوق له منذ سنوات طويلة، كواحد من المؤهلين للدخول في السباق على خلافة الرئيس بوتفليقة مع الأمين العام لجبهة التحرير، ويكون إبعاده عن رئاسة الحكومة يقبل التفسيرين معا: الحرمان من استعمال منبر الحكومة وأدواتها لتوسيع قاعدة الدعم لترشحه رسميا وشعبيا، كما قد يكون الإبعاد منحة أتيحت للرجل للابتعاد عن منصب يعرض صاحبه بالضرورة للسخط الشعبي، فيكون الإبعاد منحة لا محنة، تسمح له بتجديد ما خلق من برنوس الرياسة، ونفس الاعتبارات قد تصدق على الأمين العام لجبهة التحرير.
اختيار السيد سلال لخلافة أويحيى يكون في النهاية قد أرضى الأرندي كما أرضى الآفلان، من جهة أن إبعاد المنافس يهون من مصيبة الإبعاد والحرمان. غير أن هذه الحسابات كان لها، وسيكون لها ثمن، سواء بالنسبة لأحزاب التحالف الرئاسي، المنحل رسميا بعد انسحاب حمس، وسحب الوزارة الأولى من الحزبين العتيدين، أو على المستوى الشعبي، الذي واصل تعليق بعض الآمال على التغيير الحكومي، أملا في حصول تغيير في أحوال الناس أو في إصلاحات سياسية توسع من المشاركة في الحكم.
.
تعطيل بوليصة الضمان لأميني التجمع والأفلان
فمن جهة التجمع الوطني الديمقراطي، قد تكون خسارة رئاسة الوزراء، بعد الانكماش الحاصل في تمثيله البرلماني، ضربة موجعة سوف تحرك المتربصين بالأمين العام من القوى التقويمية المغروسة في جميع التشكيلات السياسية، وهو الذي كان يعول على تجديد الثقة لإعادة ترميم بيت الأرندي المتصدع، أما بالنسبة للأفلان فإن منحة الأغلبية بالبرلمان، وإبعاد أويحيى من رئاسة الوزراء، سوف يمنحان بلخادم متنفسا وهامش مناورة أكبر أمام التقويميين داخل الحزب العتيد، وقد يكون قرار إبعاد الأفلان عن الوزارة الأولى، وتقليص حصتها من الحقائب، فرصة لتحرير أيدي نوابه بالبرلمان، من جهة التعامل مع الحكومة الجديدة بقدر من الاستقلالية، حتى لا يترك مجال المعارضة للأحزاب الإسلامية وبقية أحزاب المعارضة. فعلى المستوى الشعبي، سوف لن تغير التشكيلة الجديدة، المصنعة من مادة أعيد تدويرها بشكل من الأشكال، سوف لن تغير من حالة الاحتقان الشعبي، الذي له منشأ في ما تراكم من تردي الأحوال الاجتماعية لقطاعات واسعة، وانسداد أفق التغيير والترقي الاجتماعي والسياسي في وجه الطبقة الوسطى، وتوسع رقعة الفقر والعوز، لتطال جانبا من الطبقة الوسطى، ناهيك عن المبعدين أصلا من اقتسام الثروة الوطنية عبر الوظيف العمومي، كما عبر الشغل بالقطاع الخاص والأنشطة الحرة المستقرة، وعلى رأسهم شريحة الشباب المتحفز للتغيير على خلفية حراك الربيع العربي.
.
إدارة رئاسية في الوقت بدل الضائع
ثمة جانب في التغيير الحكومي، قد يشي بوجود رغبة عند الرئيس في اتجاه تثبيت حكم رئاسي صرف، سواء مع حصول توافق على الخيار، يثبت لاحقا بتعديل دستوري، أو يسمح للرئيس في ما بقي من عهدته الثالثة بإدارة مباشرة للجهاز التنفيذي، بعيدا عن حسابات المشهد السياسي، وعن قيود البرلمان، مستغلا الثغرات الموجودة في الدستور الحالي، والتي تسمح للرئيس في هذا النظام المختلط بالهيمنة على بقية مؤسسات الحكم.
بعض القراءات المستعجلة ذهبت إلى استنتاج آخر، يقرأ في إبعاد الحزبين الكبيرين عن منصب رئاسة الوزراء، مقدمة لتوجه النظام نحو تعديل دستوري يؤسس لنظام حكم برلماني صرف، وهو استنتاج قاصر في نظر العارفين بطبيعة القوى النافذة في السلطة، واشتراكها في رفض قيام نظام حكم برلماني، قد يخرج الجهاز التنفيذي من دائرة نفوذها المتواصل منذ الاستقلال عبر مؤسسة الرئاسة، وهي في الوقت نفسه تعارض، وعارضت بضراوة محاولات الرئيس بوتفليقة بناء نظام حكم رئاسي، حتى وإن كان قد مارسه بالفعل منذ العهدة الأولى.
إعلان الرئيس من مدينة سطيف، قبيل استحقاق التشريعيات، بما يفيد أن هذا النظام قد خلق، والقول بأن الجيل الحاكم “طاب جنانو” لم يكن فقط من باب التحريض على المشاركة في الاستحقاق، بقدر ما كان حكما موضوعيا على نظام قد بلغ أرذل العمر، ولم يعد قادرا على العطاء، لا بمؤسساته ولا برجالاته وبرامجه، ولا بما هو موجود في الساحة من قوى سياسية مصابة، مثلها مثل النظام، بأعراض زمانة الشيخوخة المبكرة، وأنه يتعين على جيل الاستقلال أن يتدبر طرقا وأساليب هادئة وآمنة، لانتزاع المشعل من جيل الثورة الذي له كما عليه.
.
إصلاح “الساس” الذي يذكر به الرياس
رئيس الجمهورية يدرك، وآمل أنه يدرك، أن جميع الإنجازات المادية التي تحققت في عهده، وبعضها لا ينكره إلا جاحد، لا تساوي شيئا أمام الإخفاق حتى الآن في حمل النظام على التغيير، والقبول بالإصلاح السياسي الضروري، الذي يضمن للبلد قدرا من الاستقرار والأمن السياسي والاجتماعي، في زمن تتعرض فيه الدول الضعيفة لعمليات تفجير من الداخل، تستغل السخط الشعبي المبرر، وقصور أنظمة الحكم في التعامل مع المتغيرات، وتحديدا مع رغبة الطبقة الوسطى في المشاركة في الحكم، حتى لو كان بتزكية وبحبل من الشيطان، كما حصل مع المعارضات العربية في هذا الربيع العربي المتأمرك، وانساقت إليه القوى السياسية من جميع المشارب، إسلامية وعلمانية على حد سواء.
لقد مضى الزمن، الذي كان كبار القوم من الملوك والرؤساء يذكرون بما أعلوا من بنيان، وشيدوا من معالم عمرانية، فالزمن ليس زمن “توت عنخمون” وأوتاده، ولا زمن “جلجميش” وقصور حاضرة أور، ولا تذكر اليوم بابلون العظيمة بحدائقها المعلقة أكثر مما تذكر بمدونة “حامورابي” القانونية الإصلاحية، وقد تذكر يونان بإصلاحات “صولون” ودستوره المؤسس للديمقراطية اليونانية، أكثر مما تذكر بمعابد وقصور أثينا، أو حتى بفلسفة أفلاطون وأرسطو، وليس أحوال رجالات الدولة في العصر الحديث بأفضل مما كانت عليه أحوال سلفهم الصالح منهم والطالح، فلا يخلد التاريخ سوى المجانين منهم، من شاكلة نيرون الذي أحرق روما، أو هتلر الذي أحرق أوروبا، أو الحكماء من الذين أصلحوا أحوال بلدانهم ورعيتهم، بنشر قدر من العدل في السياسة، وبتقسيم عادل ومنصف للمغانم والمغارم، ولأن الخليفة عمر الذي لم يشيد قصرا واحدا، ولا شق طريقا سيارا، يذكر أكثر من خلفه من بناة بغداد ودمشق وغرناطة، ولأن عمر بن عبد العزيز إنما رد على أحد عماله، كان يطالب بمزيد من الأنفاق لأجل الأعمار، ومزيدا من الشرط لتأمين حواضر ولايته، رد عليه الخليفة بجملة هي أساس الحكم الراشد الذي تخلده صفحات التاريخ: “عمر مدينتك وأمن شوارعها بالعدل”.