رسالة الجنرال توفيق.. “إثارة” سياسية أم “موقف” بأثر رجعي؟!
ستبقى الرسالة التي خطّها الفريق توفيق، ودافع فيها عن الجنرال حسان، الأكثر إثارة، في سنة 2015 وربما في تاريخ الرسائل في الجزائر الحديثة، ليس بسبب ما أثارته من تعاليق وردود أفعال بين مستحسن ومنتقد لها، وإنما بسبب اسم من خطّها الذي شغل الناس بصمته طوال عقود، وعندما خطّ بعض الكلمات شغلهم أكثر، وهذا بعد بضعة أسابيع فقط من دخوله في نقاهة نهاية الخدمة، أو استراحة محارب، أو تقاعد في الوقت بدل الضائع، أو إقالة أو استقالة.. كما قرأها كل واحد على طريقته؟
قد تكون الفترة التي عاش فيها الجنرال توفيق، أو حكم فيها البلاد، صعبة ومعقدة، فأجبرته على أن يعيش خلف الستار، يتفرج المشاهدون على أشخاص تتحرك في كل الاتجاهات الأمنية والسياسية، ولا أحد يتفرج على محرّكها، فكان الرجل يفعل والناس تظن بأن الآخرين هم من يفعلون، وأحيانا لا يفعل والناس تظن بأنه هو الفاعل، وكما قالوا عنه في السرّ والكتمان الكثير من الأساطير عندما كان يحكم، يقولون الآن في العلن مزيدا من الأساطير عندما ابتعد عن الحكم.
ولكل رأيه في الرجل، يرسم ملامحه كيفما شاء، ويبقى الغائب الأكبر في الحديث عن توفيق هو توفيق نفسه الذي لم تزد كلماته عن بضعة أسطر، لأنه رجل لا نظن بأننا سنقرأ له مستقبلا حوارا أو نلتقط له صورة، ولم يسبق وأن ذكره مؤرخ جزائري أو سياسي أو حتى عسكري في أحاديثه الإعلامية أو ندواته أو حتى مذكراته، حتى أن الرجل لم يدخل تاريخ الجزائر، بالرغم من أنه أحد صانعي تاريخ الجزائر المعاصر، إن لم يكن أهمهم على الإطلاق.
لا أحد يعرف نبرة صوته ولا ملامح وجهه، لأجل ذلك استغل الكثيرون خطف همسة أو نظرة منه، وصاروا يتحدثون باسمه واستغلوا رسالته ليقولوا ما لم يقله، حتى أن بعض المواطنين على قناعة، بأن كل من كان من جماعة توفيق أو زعم قرابة أو صداقة له من مدير جامعة أو رئيس مصلحة في مستشفى أو مدير تربية لا يمكن حتى انتقاده.
وقد عاش وتسمّر الكثيرون في أماكنهم ومنهم من عاث في الأرض فسادا من دون أن يتحركوا من مكانهم، لأنهم استغلوا إشاعة بثها الناس أو بثوها عن كونهم ريشة في جناح توفيق، وصارت قناعة الكثيرين بأن لا وال ولا ملياردير ولا مدير عام من تبسة إلى تمنراست إلا بموافقة الرجل، الذي لا يعرف أحد نبرة صوته ولا ملامح وجهه.
قد لا يهم تاريخ الرجل، كما يهم تاريخ البلاد، لأن الجنرال عاش أحداثا مهمة في الجزائر، وعاصر كل الفاعلين الكبار من قاصدي مرباح ويزيد زرهوني، وحضر تحجيم دور خالد نزار وإبعاد الجنرالين محمد العماري وفضيل شريف عن الساحة السياسية، كما أنه بالتأكيد يعرف كل شيء عن الطريق السيار والخليفة وشكيب خليل، بل توجد قناعة بأنه يعلم أكثر من المعنيين.
لقد كتب الشاذلي بن جديد مذكراته، وكتب أحمد طالب الإبراهيمي وعلي كافي وخالد نزار والطاهر الزبيري، ولا أحد منهم ذكر الجنرال توفيق، وباستثناء القليل من هذه المذكرات، فإن غالبيتها لم تتسم بالمصداقية، واكتفت أخرى بالعموميات التي ملأت الكتاب، ولم تقل شيئا.
فبقيت علامات الاستفهام من دون إفهام، فكانت مذكرات أشبه بسرد لسيرة ذاتية أرّخت لصاحبها كما يرى نفسه بالحسنات فقط، ولم تؤرخ أبدا للبلاد، بدليل أن هذه المذكرات جلبت الانتباه في حينها بما يشبه أغاني الصرعة التي تموت بسرعة بعد سماعها، فقد رحل أحمد بن بلة ووعد بصدور مذكراته بعد وفاته، وقال بأنها ستهز الرأي العام، ولم تصدر، ورحل هواري بومدين ولا أحد عرف الرجل، وسيكون مهما جدا أن يقرأ الجزائريون تاريخ العشر سنوات الأخيرة من القرن الماضي ومثيلتها من بداية القرن الحالي بإمضاء محمد مدين أو الماجور توفيق أو على الأقل من أقرب الناس إليه.