رموز نظام بوتفليقة أمام ميزان العدالة!
لكل مرحلة ضحاياها، غير أن “ضحايا” نظام بوتفليقة تجاوزوا كل التوقعات، سواء من حيث الكم أو من حيث الكيف، وهي المعاينة التي يمكن الوقوف عليها من خلال ترصّد تداعيات نهاية كل مرحلة من مراحل النظام منذ الاستقلال.
وتأتي محاكمة كبار رموز العصابة على مستوى المحكمة العسكرية بالبليدة، في صورة كل من السعيد بوتفليقة، شقيق الرئيس السابق ومستشاره الخاص، ومدير دائرة الاستعلامات والأمن الأسبق، الفريق محمد مدين المدعو توفيق، ومنسق المصالح الأمنية السابق، الجنرال بشير طرطاق، المدعو بشير، والناطقة الرسمية باسم حزب العمال، لويزة حنون، لتشكل فصلا من فصول محاسبة نظام عمّر لأكثر من عقدين من الزمن.
ويتذكر الجزائريون الانتقال القيصري من نظام الرئيس الراحل هواري بومدين، إلى وريث عرشه، الشاذلي بن جديد في نهاية السبعينيات، وكيف تم وأد حلم أحد الذين كانوا مرشحين بقوة لخلافته، وزير الخارجية حينها عبد العزيز بوتفليقة، والذي عوقب باتهامه من قبل مجلس المحاسبة باختلاس أموال عمومية من الحقيبة الوزارية التي كان مسؤولا عنها.
ولم يكن تقرير مجلس المحاسبة ذاك، إلا قرارا اتخذ من قبل صناع القرار حينها، لثني بوتفليقة عن السباق نحو قصر المرادية أو حتى التفكير فيه، ومنذ ذلك الحين، أخفى طموحه، واختار الخارج منفى اختياريا له، ولم يعد إلى البلاد كطامح سياسي، إلا بعد أن أسقط نظام الشاذلي بن جديد في بداية التسعينيات، ودخول البلاد في أزمة دستورية غير مسبوقة.
رموز نظام الشاذلي بدورهم، لم يسلموا من الحساب عندما سقط رئيسهم، ويتذكر الجميع كيف تم اختيار قائد الأركان الأسبق، اللواء مصطفى بلوصيف، ليكون كبش فداء لنظام الشاذلي، حيث حوكم وسجن، رغم أنه أبعد قبل أن يسقط النظام الذي شارك في بنائه، بعد وشاية من محيط الرئيس المستقيل، الذي حوصر يومها من قبل ضباط فرنسا (الجنرال العربي بلخير، الجنرال خالد نزار، الجنرال محمد العماري..) كما يصطلح على تسميتهم.
ولأن سقوط نظام الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة جاء في سياق احتجاجات شعبية عارمة، وبعد أن بلغ الفساد مستويات غير مسبوقة، بل فاقت كل التوقعات، فإن حجم الحساب والشخصيات التي كان يجب إخضاعها لسلطان العدالة، يجب أن يكون في مستوى التحدي، وهو إقناع الرأي العام بجدية مسعى تقويم مؤسسات الدولة ومعاقبة من تسبب في انحرافها.
ومن هذا المنطلق، اتسعت دائرة المتهمين بالفساد والتلاعب بالمال العام، لتضاف إلى قائمة المتآمرين على سلطة الجيش ومحاولة قلب النظام، لتشمل وزيرين أولين سابقين (أحمد أويحيى وعبد المالك سلال)، وأكثر من عشرين وزيرا وعددا كبيرا من النواب في الغرفتين، فضلا عن العشرات من الإطارات الكبرى، وأبرز رجال المال والأعمال، في مشهد لم يكن أشد الناقمين على نظام بوتفليقة يتوقعه.
ولا تزال عملية الأيادي النظيفة مستمرة، مسقطة المزيد من الوجوه، ومخلفة المزيد من الرعب داخل معسكر الرئيس السابق، ولا سيما المستفيدين والمقربين من محيطه وما أكثرهم.