رونق والسقف العالي
إلى وقت قريب، كنا نتساءل، وأحيانا ننتقد، المبالغة في الابتهاج بانتصارات كرة القدم، التي هي في حقيقتها لعبة دحرجة كرة مطاطية لا أكثر ولا أقلّ، ونتساءل عن سبب الاحتفال المبالغ فيه بهدف عنتر يحيى في مرمى مصر في 18 نوفمبر 2009 أو هدف رياض محرز في مرمى نيجيريا في كأس إفريقيا 2019، أو هدف يوسف بلايلي في مرمى المغرب في كأس العرب 2021، فالأمر لا يزيد عن ركل كرة في مرمى المنافس.
بل كنا نقول إنه بعد الاستقلال ما بقي للجزائريين من فرح يجمعهم سوى انتصارات الكرة، عندما يتمكّن لاعبو المنتخب الوطني من الانتصارات، فتُشدّ لها المواكب ويُطلق لها البارود، وتتحفها النساء بالزغاريد.
هذه التساؤلات والانتقادات، وبعضها في محله، ردّت عليها منطقة سوق أهراس، عندما حوّلت تتويج ابنة المنطقة رونق بالمركز الأول وطنيًّا، في امتحان البكالوريا، وبمعدّل لم يحدث من قبل، وقد لا يُحطّم في السنوات القادمة، بعد أن بلغ 19.70 من عشرين.
أهل المنطقة رفعوا السقف إلى علوّ سيُتعب الولاية التي سيحصل أحدُ مرشحيها على المركز الأول وطنيًّا في النسخة القادمة لدورة جوان 2026، لأن إقامة موكب احتفالي تشارك فيه السلطات وعامة الشعب احتفالا بتفوُّق شابة علميًّا وانتزاعها المرتبة الأولى، هو سابقة، لا اختلاف في رقيّها، وقد تؤسِّس لتقليد جديد، يخرجنا من “سجن” أفراح اللعب، إلى حرية أفراح الجدّ.
الجميل في حكاية رونق ابنة بلدية “تاورة” بسوق أهراس، هو أن هذه الاحتفالات كانت في الأساس تلقائية، تجلّت أوَّلا في تزيين صورها ومعدّلها ونقاطها لعشرات الآلاف من الصَّفحات الإلكترونية، مع إبداء الكثير من المواطنين نيَّتهم في تكريمها كل حسب مقدرته، فزحفت الفرحة نحو مقرّات المجتمع المدني ومسؤولي بلديتها وولايتها، ليجري الاتفاق على موكب فرح شعبي، ينحت الذكرى في قلب رونق، وكل سكان ولاية رونق، ويُشعل لهيب المنافسة في السنوات القادمة من أجل انتزاع المرتبة الأولى وطنيا في امتحان البكالوريا وهو أشرف تنافس يمكن أن نراه على وجه الأرض.
كل الجزائريين من دون استثناء ومن كل الأعمار والفئات يعرفون رياض محرز، ويتابعون أخباره، وكلهم الآن يعرفون رونق وسيتابعون أخبارها، وهذا أمرٌ رائع سيمنحنا مزيدا من البهجة في المواسم الدراسية القادمة.
كنا نقول دائما إنَّ اجتماع الناس واحتفالهم بانتصار فريق الكرة وحملهم للعلم وترديدهم لقسمًا، هو أمرٌ جميل، ونراه أجمل الآن حول انتصار علمي تربوي، حققته تلميذة عصرت سنوات تعلمها كدّا وتعبا لنيل معدل استثنائي، فما بالك لو واصلت وتألقت عالميا، وما بالك لو حقق عالمٌ جزائري جائزة نوبل في الآداب أو العلوم.
لقد حاربت الجزائر فرنسا فكريًّا، بجمعية العلماء المسلمين، وهي تحارب حاليا التبعية الغذائية والمائية والعلمية، بعلم الزراعة وعلم تحلية مياه البحر، والذكاء الاصطناعي وتكنولوجيا الطاقات المتجددة، وطبعا برونق وأخواتها… وإخوتها.