-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
شارع تختصر فيه المدينة حكايتها وذاكرتها الشعبية

زقاق السوافة… حاضر مدينة خنشلة وماضيها

مامن. ط
  • 211
  • 0
زقاق السوافة… حاضر مدينة خنشلة وماضيها
ح.م

لم يعد زقاق السوافة بمدينة خنشلة، مجرد شارع لبيع وشراء السلع، ولا مجرد سوق شعبي، يعج بالحركة في أيام الأسبوع، خاصة مع اقتراب موعد الدخول الاجتماعي، حيث يفوح برائحة المحافظ ويتلون بسحر المآزر، بل هو فضاء اجتماعي، متجذر في ذاكرة المدينة، وملتقى عفوي لأبنائها، حتى أصبح جزءا من ملامح خنشلة، وتقاليدها التي يتوارثها السكان جيلا بعد جيل.
ومع حلول يوم الجمعة، تزداد الحركة في هذا الزقاق بشكل لافت، حيث يتوافد عليه سكان مختلف أحياء المدينة، إلى جانب أبناء خنشلة المقيمين خارج الولاية، الذين يجدون في زقاق السوافة مكانا للقاء واستعادة ذكريات المدينة، وهنا، وبشكل عفوي، يلتقي كبار السن بقدامى أبناء الأحياء، وأبناء الريف بأبناء المدينة، في مشهد اجتماعي يعكس خصوصية المنطقة وروحها الشعبية.

سوق لكل شيء… وذاكرة للجميع
وعلى امتداد الزقاق، تتنوع السلع وتختلف مصادرها، حتى يكاد الزائر يجد فيه كل ما يحتاجه، فعند أحد أطرافه، يعرض أبناء الريف البيض بمختلف أنواعه، والدجاج الحي، والأرانب بأحجامها المختلفة، إلى جانب النباتات والأعشاب والخضر الطازجة، على غرار الدبشة والمعدنوس والكرافس وغيرها، كما يجد الزائر اللحوم، ولاسيما لحم الماعز، التي يتم عرضها وبيعها في أجواء شعبية بسيطة، يغلب عليها الطابع العائلي والعفوي الذي يميز الأسواق القديمة، وفي جهة أخرى، تنتشر طاولات وبسطات الخردوات، حيث يمكن العثور على مختلف الأشياء القديمة والجديدة من الساعات، والأحذية، والملابس، والأدوات المنزلية، والأدوات الميكانيكية، والكراسي بمختلف أنواعها، إلى جانب الهواتف والتلفزيونات المستعملة والجديدة وغيرها من المقتنيات، ولا تتوقف الحركة عند هذا الحد، فهناك أيضا باعة الملابس والأواني الجديدة، وباعة الخضر والفواكه، فضلا عن الألبسة ذات الأسعار المنخفضة التي يقصدها أصحاب الدخل المحدود والفئات البسيطة، بحثا عن حاجياتهم بأسعار في متناول الجميع.
ما يميز زقاق السوافة أكثر من تنوع تجارته هو طابعه الاجتماعي، فالزائر لا يأتي إليه دائما من أجل شراء سلعة، وإنما قد يأتي أيضا للقاء صديق قديم، أو قريب، أو أحد أبناء الحي، أو للجلوس مع أشخاص يعرفهم منذ سنوات، ولهذا السبب، أصبح اسم زقاق السوافة مرتبطا بمدينة خنشلة نفسها، حتى إن أبناء المدينة المقيمين خارجها كثيرا ما يجدون أنفسهم أمام السؤال، كيف حال زقاق السوافة، وهل مازال كما كان، بالمختصر المفيد هو مكان يحمل ذاكرة المدينة أكثر مما يحمل البضائع، ويجمع بين الريف والمدينة، وبين الماضي والحاضر، في مشهد شعبي يصعب أن تجده في الأسواق الحديثة.

لكل مناسبة نكهتها في زقاق السوافة
وتزداد خصوصية الزقاق خلال المناسبات والأعياد، ففي شهر رمضان، تتحول أرجاؤه إلى فضاء نابض بالحركة، حيث تتوفر الخضر والفواكه والمشروبات والمأكولات المختلفة وكل ما تحتاجه العائلات لتحضير موائدها، ومع اقتراب عيد الأضحى، تظهر أدوات الذبح ومستلزمات المناسبة، بينما يعرف زقاق السوافة خلال عيد الفطر إقبالا كبيرا على ألعاب الأطفال والملابس وغيرها من مستلزمات العيد، وهكذا يواكب الزقاق حياة الخنشليين ومناسباتهم، ويظل حاضرا في تفاصيلهم اليومية والموسمية.
ورغم تغير الزمن وانتشار الأسواق والمحلات الحديثة، حافظ زقاق السوافة على روحه الخاصة، فهو ليس مجرد مكان تجاري، بل صورة حية من صور الحياة الشعبية في خنشلة، وفضاء تتقاطع فيه العلاقات الاجتماعية والذكريات والعادات، ولعل قيمة زقاق السوافة الحقيقية تكمن في بساطته، فهنا يلتقي الجميع من دون مواعيد مسبقة، وتختلط أصوات الباعة بأحاديث الناس، وتلتقي بضائع الريف بسلع المدينة، في مشهد يمنح المكان نكهة خاصة، زقاق السوافة ليس سوقا فقط، بل حكاية خنشلية مفتوحة في الهواء الطلق، وذاكرة شعبية ما زالت تنبض بالحياة، ومن هنا تأتي أهمية الحفاظ على هذا المعلم الشعبي، باعتباره جزءا من ذاكرة المدينة وتراثها الاجتماعي، حتى يبقى للأجيال القادمة مكانٌ يعرفون فيه كيف كانت خنشلة تلتقي، وتتاجر، وتتواصل، وتحتفظ بملامحها الأصيلة.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!