زمن تحرير أرض العرب من العرب
ونحن على بعد أسابيع قليلة من نهاية سنة 2014، السنة الرابعة من عمر ما سمي بالربيع العربي، يُحسن بنخب وشعوب العالم العربي أن تنجز آخر جردٍ موضوعي لحصيلة هذه الحقبة القصيرة المتشنّجة من تاريخها الحديث، والتي سيكون لها “ما بعد” ينسينا ما علقت عنده أذهاننا من معالجات غربية كان هدفها الإستراتيجي: تفكيك المنظومة العربية الناشئة في أعقاب الحربين، ومرحلة تصفية الاستعمار القديم، والتمكين لهدفين غربيين استراتجيين لا غير.
الأول : إحكام القبضة على منابع النفط بالمنطقة، تحديدا بعد فك الارتباط بين الدولار والذهب نهاية السبعينيات، واعتماد النفط كغطاء لهيمنة الدولار الأمريكي على التجارة العالمية والمبادلات المالية.
الثاني: حماية وتثبيت الكيان الصهيوني بالقوتين الصلبة والناعمة، وتفريغ الطوق العربي من قوى المقاومة والممانعة عند الشعوب كما عند الأنظمة.
عند اندلاع الأزمة المالية والاقتصادية العالمية سنة 2008 كان معظم الخبراء يتوقعون حتمية انهيار الدولار في بحر سنين قليلة، ومعه توقع انهيار سريع للاقتصاد الأمريكي والغربي، لكن الذي حصل أن الربيع العربي منح غطاءً مميزا، صرف الأنظار عن الأزمة المالية العالمية إلى حين، كما سمح بخلق ضغوط غير مسبوقة على الدول النفطية الخليجية التي ازداد ارتباطُها بالحماية الأمريكية والغربية، فاستجابت مرتين للإملاءات الأمريكية في إدارة الإنتاج والأسعار كان آخره حرمان أوبيك من تخفيض الإنتاج دفاعاً عن الأسعار المتهاوية.
ولأجل ذلك فإن مكاسب الولايات المتحدة والغرب من الفوضى الخلاقة جاءت فوق ما كان يحلم به فريق بوش وكندوليزا رايس من احتلال العراق، فأعادت سياسة أوباما المعلنة في خطاب القاهرة السيطرة الأمريكية الكاملة على المنطقة، وعلى إدارة الملف النفطي فوق ما كان يحلم به الصهيوني كيسنجر، وما يرغب فيه قادة الكيان الصهيوني.
وعلى مستوى الهدف الإستراتيجي الغربي الثاني، المتصل بحماية ودعم وتوسع الكيان الصهيوني، جاءت فعاليات الربيع العربي بأكثر مما كانت تشتهيه سفن الصهيونية العالمية؛ فقد ضربت الجبهة الشمالية في سورية ولبنان، وعطلت مقدراتها لعقود قادمة، كما جاءت أحداث مصر لتفرض حصارا أشد على الفلسطينيين في غزة، وأشغلت الدول والقوى الإسلامية الداعمة للمقاومة في معارك هامشية في دول الربيع وفي الصراعات الإقليمية، غير أن الأخطر هو ما يُنفذ اليوم لصالح التمدد الصهيوني عبر ما يسمى بـ“الدولة الإسلامية” ومجاميع “جبهة النصرة“، التي تقاول من الباطن لصالح الكيان الصهيوني غرب الفرات وشرق قناة السويس، وكأنها تمهّد الأرض لقيام الأسطورة التلمودية لدولة إسرائيل الكبرى من النهر إلى النهر، لتُسقِط مسار تحرير الأرض من النهر إلى البحر.
فهل يمكن لأي نجاح نسبي قد يتحقق غدا لمسار الربيع العربي في تونس الصغيرة، يحظى بمباركة السيد، أن ينسينا ما خسره العرب شعوبا ودولا، في حراك كان كما رأينا “حقا أراد به الغرب باطلا” استعاد به إدارة خيرات العرب النفطية، وثبّت به أقدام الكيان الذي صنعه مبكرا لتقويض الكائن العربي الناشئ منذ عودته المشوّهة على يد المسخ “لورانس العرب” ورسمت حدود الفتن المستقبلية فيه في عملية جراحية قطعت أوصاله على يد الثنائي “سيكس وبيكو“؟