زيارة هولاند لم تجب عن الكثير من التساؤلات
عاد الرئيس الفرنسي، فرانسوا هولاند، إلى بلاده ومرت الزيارة التي قادته إلى الجزائر، لكن من دون أن تجيب عن الكثير من التساؤلات عن خلفياتها وتوقيتها وأهدافها.. لأن الملفات التي أخرجت للصحافة لا ترقى إلى أن تكون موضوعا لزيارة بين بلدين تربطهما علاقات متشعبة.
ولم تأت هذه الزيارة بجديد على صعيد الملفات العالقة، بل مرت على الملحة منها مرور الكرام، وأول هذه الملفات، ملف الذاكرة، الذي بات يذكر في كل الزيارات التي قادت المسؤولين الفرنسيين على اختلاف مستوياتهم إلى الجزائر، غير أنه لم يتزحزح قيد أنملة.
ولم يتجرأ المسؤولون الفرنسيون على تطوير موقفهم من قضية الذاكرة، بمن فيهم الرئيس الحالي، الذي لطالما وصفته أوساط سياسية جزائرية لها ارتباطات بالسلطة، بأنه “صديق الجزائر“، لمجرد أنه ينتمي إلى الحزب الاشتراكي.
وإن لم ينخرط هولاند في تصريحات معادية للجالية الجزائرية بفرنسا ولم يجاهر بمواقف تتعارض مع المصالح الجزائرية، مثلما حصل مع الرئيس الفرنسي السابق، نيكولا ساركوزي، إلا أنه لم يقدم جديدا على صعيد تنازل فرنسا عن كبريائها إزاء ماضيها الاستعماري في الجزائر، الذي يجمع بشأنه المتخصصون المحايدون على أنه أكثر من إجرامي، جراء الممارسات اللا إنسانية التي سلطتها على الجزائريين طيلة 132 من حروب الإبادة والتصفية العرقية والدينية والثقافية.
وكان ساركوزي اليميني المعروف بعدائه للجزائر والجزائريين السباق في انتقاد النظام الاستعماري واصفا إياه بـ “النظام الظالم“.
أما خلفه هولاند فلم يضف جديدا على ذات الصعيد، بل كرر ما قاله سلفه إذ لم يزد على وصف النظام الاستعماري سوى كلمتين: “وحشي ومدمر“.
وبينما بقي الموقف الفرنسي من قضية الذاكرة هو نفسه وإن اختلف الرؤساء وتأرجحت السلطة بين اليمين واليسار، إلا أن التطور يبقى السمة الأبرز على بقية الأصعدة، لا سيما الجانب الاقتصادي، بحيث لم يتوقف كل المسؤولين الفرنسيين الذين تعاقبوا على زيارة الجزائر، عن التأكيد على تمكين الشركات والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة الفرنسية، من حصة الأسد في السوق الجزائرية، في موقف يبرز الخلفية التي تنطلق منها باريس في التعاطي مع الجزائر، كمنطقة نفوذ حيوية في شمال إفريقيا، لا يمكن التنازل عنها.
وبرأي النائب عن المهجر، سمير شعابنة، فإن زيارة هولاند الثانية إلى الجزائر، حملت انشغالين للبلدين، ويتمثل الانشغال الفرنسي في طلب المزيد من المشاريع للشركات الفرنسية، والأمر الآخر مرتبط بالانشغال الأول، ويتعلق بتحويل أرباح الشركات نحو فرنسا، وكذا ما تعلق بالأعباء التي سببتها القاعدة الاستثمارية 51 / 49، التي تضمنها قانون المالية التكميلي لعام 2009، للشركات الفرنسية.
أما الجانب الجزائري فتمثل أبرز انشغاله، بحسب النائب المطلع على دقائق العلاقات الجزائرية الفرنسية، في ضرورة أن تتحمل السلطات الفرنسية كامل مسؤوليتها في حماية الجالية الجزائرية والمسلمة عموما، المقيمة بفرنسا، من الحملة العنصرية التي تفجرت بعد أحداث “شارلي إيبدو” في جانفي المنصرم، والتي طالت كما هو معلوم كل من يحمل المظاهر التي تشير إلى الإسلام والعروبة والمهاجرين عموما، حيث دنست المساجد ووقعت اعتداءات على النساء المحجبات.
وإن أكد الرئيس الفرنسي في الندوة الصحفية التي عقدها قبل مغادرته الجزائر، أن بلاده لم تقصّر في حق الرعايا الجزائريين، وهو يتحدث عن منح القنصليات الفرنسية بالجزائر نحو 350 ألف تأشيرة سنويا للجزائريين، إلا أن ذلك لا يغطي على التجاوزات التي حصلت في حق رعايا آخرين حرموا من دون وجه حق، من التأشيرة، بمن فيهم شيوخ أفنوا حياتهم في المصانع والورشات الفرنسية، بهدف لم يكن سوى حرمانهم من الخدمات التي يتمتع بها نظراؤهم الفرنسيون.