سطورا يفحم صحفية الحنين الاستعماري الخالص
لا شك أن الملايين من الجزائريين قد تابعوا الفيلم الذي بثته قناة “أل سي بي” (قناة الجمعية الوطنية)، سهرة قبل أمس، بمناسبة ذكرى مجزرة السابع عشر أكتوبر. وأقصد الجزائريين الذين يفضلون القنوات الفرنسية بدل القنوات العربية التي يبررون بها بروز التطرف الإسلامي في كل الأحوال وحتى ولو قيل لهم إن هناك قنوات عربية خاصة بالعري وبالتوجهات التي تتقاطع تماما مع الأطروحات الغربية المرادفة للتحرر في زمن السيسي والأسد.
كتحصيل حاصل للمعادلة الميكانيكية القاتلة، أعتقد أن الملايين من الوطنيين والإسلاميين المنغلقين لم يشاهدوا الفيلم المذكور لأنهم يؤمنون أن كل من يشاهد قناة فرنسية يعد متواطئا بصفة غير مباشرة مع الاستعمار القديم. والحكاية في النهاية تعتبر واحدة لأن تطرف المعسكرين المناقضين لا يمت بصلة للوطنية والإسلام والعروبة والاستعمار، لأن العاقل المتبصر لا يمكن أن يعادي ثقافة أجنبية مادام الإنسان المدافع عن العدل والمناهض للظلم يمكن أن يخرج من رحمها، خلافا لآخرين يكرسون الظلم ويؤيدون العبث والفساد باللغة التي يتواصلون بها ويزعمون أنها تسري في عروقهم وكم هم كثر في البلدان العربية والإسلامية.
اضطررت إلى أن أبدأ بهذه المقدمة لأنها فرضت علي منهجيا وأنا أتمتع بفيلم جان ميشال موري وبالنقاش الذي جمع المؤرخ الكبير بنجامين سطورا بالصحفية ماري كريستين ثابت، الفرنكو جزائرية، موقعة كتاب “الجزائر فرنسا ـ قصة عاطفية مع كريستوف دوبوا”. الفيلم الذي كان قمة في الإنجاز الفني وفي المقاربة المنتهجة كان فرصة لتعرية خلفيات الصحفية المذكورة التي نطقت باسم فرنسا استعمارية لا تريد الاعتراف بواقع أمر استغله بوعلام صنصال وكمال داود ومثقفون فرنكوفيليون كثر بسبب ضعف وضيق أفق الكثير من المعربين والإسلاميين غير العقلانيين فكريا والمرتبكين والمعقدين نفسيا إلى درجة أعطت الفرصة السانحة لأعدائهم الحقيقيين للانقضاض عليهم وهزمهم على جبهة الحرب الثقافية.
لولا مسؤولية وطنيي اللغة والإسلام المنغلقين لما تحدثت صحفية الحنين الاستعماري بأسلوب التشفي الذي يحيلنا على خطابي ساركوزي ولوبان ويساريين فرنسيين استعماريين وتجرأت بالقول إن حرب العشرية السوداء هي التي تعد وحدها في نظر الكثير من الجزائريين الحرب الحقيقية التي شنت ضدهم، ولما مجدت صنصال وداود فقط. تناقضت صحفية الحنين الاستعماري حينما أصرت فقط على فرنسية الجزائر التي لا تجد إقبالا كبيرا مقارنة بلغة عربية رفض قلبها وعقلها النطق بها ولو بالفرنسية.
و لحسن حظ التيار الذي أنتسب إليه لكن على طريقتي المشكوك فيها، كان هناك سطورا، يهودي قسنطينة، الذي قال لها إن الجزائر عربية وإسلامية وبربرية ومن الطبيعي أن تستعيد الجزائر اللغة العربية التي عمل الاستعمار على محوها. دليل تمجيد فرنسا للكتاب الجزائريين الناطقين بلغة فولتير بخلفية إيديولوجية وغير إبداعية بالضرورة ندد بها بوجدرة بعد أن ذاق من علقمه وسطورا قال، دون النطق باسمي صنصال وداود، إن فرنسا بلد ثقافة تاريخيا. أترك الاستنتاج للقراء.