-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
عندما يناضل "حارس القيم" من أجل بيع الجسد

“سقوط أخلاقي” لليمين المتطرف في فرنسا.. ما القصة؟

نادية شريف
  • 3919
  • 0
“سقوط أخلاقي” لليمين المتطرف في فرنسا.. ما القصة؟
رويترز
جوردان بارديلا مع مارين لوبان بعد انتخابه زعيما للتجمع الوطني اليميني المتطرف

أثار اليمين المتطرف في فرنسا، مؤخرا، ضجة واسعة بنضاله المستميت، من أجل عودة بيوت الدعارة إلى العمل بشكل قانوني، بعد نحو ثمانية عقود من إغلاقها، ما جعله عرضة لانتقادات حادة داخل البلاد وخارجها.

ولطالما قدّم “حزب التجمع الوطني” اليميني المتطرف نفسه على أنه حارس القيم والأخلاق العامة في فرنسا، غير أنّ هذه الصورة تنهار سريعا أمام مواقفه الفعلية. آخر هذه المواقف كان اقتراح قانون يعيد فتح بيوت الدعارة، في انقلاب صارخ على المبادئ التي يدّعي حمايتها.

هذا التناقض في خطاب اليمين المتطرف، اعتبره نشطاء من مختلف أطياف المجتمع سقوطا أخلاقيا مدويا، وانقلابا واضحا على القانون الفرنسي الصادر عام 2016 الذي يجرّم شراء الخدمات الجنسية ويعتبر الدعارة شكلا من أشكال العنف الاجتماعي ضد النساء، ما جعل الكثيرين يتساءلون إن كان يسعى حقا لحماية المجتمع، أم لتسليع الإنسان باسم السياسة؟

يذكر أن المشروع الذي يروّج له جوردان بارديلا وأتباعه يقوم على فكرة تقنين الدعارة داخل فضاءات مغلقة ومرخّصة، تخضع لرقابة صحية وأمنية وضرائبية، تحت ذريعة “تنظيم ظاهرة قائمة” وحماية الفضاء العام من مشاهد “غير لائقة”. وبهذا الطرح، يتم اختزال قضية إنسانية معقّدة في مسألة إدارية وأمنية، تُسيّر بعقلية السوق لا بعقلية الحقوق.

وأعرب معلقون عن استغرابهم من جرأة هذا التيار في الكذب المفضوح والتسويق لمشروع يخدم مصالحه السياسية على أنه وسيلة لمحاربة الشبكات الإجرامية والاتجار بالبشر، لافتين إلى تجارب دول أوروبية أظهرت أن التقنين لا يقضي على السوق السوداء، بل يخلق سوقين متوازيين، أحدهما قانوني والآخر غير قانوني، تستمر فيهما أشكال الاستغلال نفسها بأدوات مختلفة.

والأخطر في هذا المشروع وفقا للبعض هو البعد الأيديولوجي الذي يقف خلفه، إذ غالبا ما يتم ربط الدعارة بمسألة الهجرة، من خلال التلميح إلى ضرورة تقنين النشاط للتمييز بين المواطنات وغيرهن من الوافدات، فتتحول بذلك النساء المهاجرات إلى الحلقة الأضعف في منظومة استغلال مضاعفة، بينما يُقدَّم الأمر في الخطاب السياسي كإجراء “سيادي” و”منظّم”.

ووفقا لتقارير فرنسية فإن اليمين المتطرف الذي يهاجم الحركات النسوية وحقوق النساء في التحكم بأجسادهن، لا يرى حرجا في الدفاع عن تقنين بيع الجسد عندما يصبح ذلك متماشيا مع منطقه البراغماتي، فالمرأة حسبه، ليست ذاتا لها حقوق، بل أداة تُستدعى عند الحاجة إلى خطاب أخلاقي، وتُهمَّش عندما تتعارض كرامتها مع حسابات سياسية أو اقتصادية.

ولا يعكس مشروع فتح بيوت الدعارة لدى اليمين المتطرف في فرنسا رغبة حقيقية في حماية النساء أو معالجة جذور الظاهرة، بل يفضح مشروعا سياسيا يقوم على تسليع الإنسان، وتكييف الأخلاق وفق الظرف، واستثمار القضايا الحساسة لكسب شعبية انتخابية.

ومنذ أيام، أعلن النائب اليميني المتطرف جان فيليب تانغي في حديث لصحيفة لوموند أنه “سيقترح إعادة فتح بيوت الدعارة أو الـ”ميزون كلوز” التي حُظرت عام 1946، ولكن بإدارة العاملات في الجنس أنفسهن، على شكل تعاونيات”، مشيرا إلى أنه “بصدد إعداد مشروع قانون بهذا الخصوص”.

وجاهرت فرنسا منذ زمن طويل بنيتها في “القضاء على الدعارة”، بدءا بإقفال بيوت الدعارة عام 1946، وصولا إلى قانون أقر عام 2016 في عهد الرئيس فرانسوا هولاند أصبح بفرض عقوبة على الزبائن أنفسهم وألغيت جريمة التماس الزبائن في الأماكن العامة.

كما أُنشئ القانون الجديد مسارا لمساعدة العاملات للخروج من هذا المجال، مع دعم اجتماعي وإمكانية الحصول على تصاريح إقامة، وهي تدابير كثيرا ما انتقدها اليمين المتطرف.

وبالنسبة لتانغي، أدت هذه القوانين إلى دفع العاملات إلى الاختباء وممارسة نشاطهن أبعد من المدن، في الغابات أو أماكن أكثر خطورة، حيث قد يتعرضن للضرب “وأحيانا تُقطع حناجرهن، ولا أحد يتحدث عن ذلك”. وأضاف: “النظام الحالي هو قمة الرياء البرجوازي”.

في ذات السياق، أعلن زعيم هذا التيار جوردان بارديلا دعمه للمشروع مندّدًا بما وصفه بـ”النفاق” إزاء التعامل مع قضية البغاء، وقال في تصريحات متلفزة السبت: “بإمكاننا إنشاء أماكن مغلقة وآمنة من أجل أن نمنع ممارسة هذا النشاط الموجود مهما فعلنا، في ظروف غير صحية وغير آمنة للغاية”.

وأضاف السياسي البالغ 30 عاما والمرشح للرئاسة في انتخابات فرنسا عام 2027: “بالنسبة لي، هذه مسألة تتعلق بالسلامة”، مردفا: “أعتقد أن الأماكن المغلقة أفضل دائما من الأحياء الفقيرة في بوا دو بولوني”، وهي منطقة في باريس تُعرف بأنها بؤرة للجريمة.

وبرز “حزب التجمع الوطني” كأكبر حزب منفرد في البرلمان الفرنسي بعد انتخابات عام 2024، ويعتقد قادته أن لديهم الزخم الكافي للوصول إلى السلطة في الانتخابات الرئاسية لعام 2027، مستفيدين من القلق الشعبي بشأن الهجرة وتكاليف المعيشة.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!