سلاح العلم والتاريخ لتكوين نخبة الجزائر!
بإعلان وزير التعليم العالي والبحث العلمي، البروفيسور كمال بداري، تعميم تدريس مادة “تاريخ الجزائر” بصفة تدريجية على كافة المدارس العليا عبر الوطن، تكون جامعاتنا قد خطت خطوة جد هامّة على طريق تكريس الوعي والانتماء الوطني لدى الطلبة.
ينبغي التركيز هنا، في سياق قراءة القرار، على أن الأمر يخص كافة المدارس العليا، أي تلك المؤسسات الجامعية الموجهة لتكوين النخبة في الجزائر من مختلف التخصصات التقنية الدقيقة والإنسانية، على غرار الذكاء الاصطناعي والإعلام الآلي والرياضيات والنانو والأمن السيبراني والمانجمت والإدارة والعلوم السياسية… الخ.
إن مثل هذا التوجه الوطني يعبّر عمليا عن إرادة “الجزائر الجديدة” في الحفاظ على الذاكرة التاريخية، ضمن سلسلة قرارات سابقة تعكس رؤية عميقة بآفاق إستراتيجية، بهدف تحصين وعي الأجيال الناشئة، وعلى رأسها تلك الفئات المؤهلة لتقلد زمام المسؤوليات النوعية في البلاد.
ونستحضر في هذا الصدد، قرار رئيس الجمهورية قبل سنوات باعتبار الثامن ماي من كل سنة، “يوما وطنيا للذاكرة”، حتى لا يبقى إحياء مواعيد التاريخ الكبرى مجرد محطات فلكلورية، بل يندرج ضمن سياسة شاملة ومتكاملة لتخليد الذاكرة.
وفي نفس الاتجاه، جاء إطلاق قناة تلفزيونية وطنية خاصة بالتاريخ، لتكون سندا للمنظومة التربوية في تدريس هذه المادة التي “نريدها أن تستمر حية مع كل الأجيال، لأن تاريخنا سيظل في طليعة انشغالات الجزائر الجديدة وانشغالات شبابها”، على حدّ تعبير الرئيس تبون.
لقد أحسنت السلطات العليا صنعا بتلك القرارات الصائبة، وعلى الجميع المعنيين في كافة المستويات التجنّد لإنجاح المساعي الوطنية النبيلة، حتّى يكون الوعي التاريخي المتجدّد بمكاسب الماضي هو السلاح المعنوي الأقوى لتعبئة الأمة في معركتها مع رهانات الحاضر والمستقبل، لأنّ الاستلهام من الخزان الروحي والموروث الحضاري لمسيرة شعبنا الثائر عبر التاريخ، خاصة خلال حقبة الاحتلال الفرنسي، يشكل يقينا دافعا محفّزا لأبنائها في رفع التحديات الجديدة، مهما بلغت من الخطورة والجسامة.
إنّ تعزيز الفهم التاريخي العلمي الموثّق، على صعيد حرب الذاكرة مع المستدمر الغاشم، عبر منظومتي التعليم العام والجامعي والإعلام، يعدّ ضمانة معرفية أساسية في تكريس الوعي الثقافي القاعدي، الذي يتجاوز اهتمام النخب الباحثة المتخصّصة إلى استيعاب عموم الفئات الشعبية، كما أنه سيعضد المسعى الجزائري في إعادة الاعتبار لجراح الذاكرة التاريخية المفتوحة، والتي تنكرها فرنسا عمليا بتنصّلها من مسؤولياتها الكاملة عن كافة جرائمها الحضارية.
إنه من المهم لاستدامة المعركة الأخلاقية والفكرية والقانونية وسط الأجيال ضدّ الأفعال الشنيعة للاستعمار، أن لا تبقى فصولها ضمن دائرة الضغط الدبلوماسي وفي مربع السجال السياسي، بل وجب أن ترتكز على بناء وعي مستديم للناشئة الجزائرية، وفق أسس معرفية صلبة تحميها من التشويه والتزوير والاستلاب.
ذلك أن الاطلاع على حقيقة المخططات الاستيطانية للاستعمار الفرنسي في بلادنا، على مدار 132 سنة من العمل المنهجي التفكيكي لكيان الأمة، سيجعل الأجيال المتعاقبة في حصانة فكرية وثقافية من معاول الهدم التي تحاول بشتّى الصور والوسائل المساس بمقومات الهوية الوطنية في أبعادها الرئيسة، وعلى رأسها الدين واللغة والتاريخ.
لقد بذلت فرنسا بكل جبروتها العسكري والمادي ما في وُسعها من الحقد والجهد لطمس هوية الشعب الجزائري، بغية إلحاقه عنوة بالضفة الأخرى معتقدا ولسانا وروحا وهوى، عبر مشاريع التنصير الخبيث وقوانين الأهالي ومخططات التجهيل المقنّن والحرمان من اكتساب اللغة الأم، كل ذلك بهدف توطين الوجود الفرنسي المادي والمعنوي بمحو آثار الأمة الجزائرية.
لذلك من الضروري اليوم أن تتعرّف أجيال الاستقلال على تلك الدسائس الحضارية للاستعمار، لأنّ أطماعه القديمة لم تمت في العقل الكولونيالي، ولا يزال يعمل من دون هوادة على النيل من الهوية الحصينة للأمة، حتى يضمن استمرار مصالحه الحيوية، عن طريق اللوبيات والغزو الثقافي.
إنّ ترسيخ الوعي المجتمعي بآفاق تلك المخططات القديمة في الفكر الاستعماري سيجعل كل المؤامرات الجديدة مفضوحة، لأنّها في واقع الأمر ليست سوى امتداد وإحياء لأحلام الأمس في الفردوس المفقود.
عندما يتشبع أبناء الجزائر من أجيال الألفية الجديدة بمفاخر آبائهم وأجدادهم وبلادهم عبر التاريخ، ومنجزاتها الحضارية وبطولاتهم في مواجهة التحديات الوجودية عبر مختلف الأزمان، فإنهم سيكونون أكثر وعيا وثقة في صناعة الحاضر والمستقبل، من دون أي عقدة نفسية أو سقوط في درك الاستلاب الغربي الاستعماري.
لذلك، فإنّنا ننوّه بتوجّه السلطات العليا خلال السنوات الأخيرة نحو تخليد الذاكرة الوطنية، بمقاربة شمولية وإجراءات متكاملة، ونشدّ على أيديها في تفعيلها، لأنّ نجاحها في تحقيق الأهداف المرجوّة مرهون بمشاركة جميع الفئات المعنية، ضمن تجسيد الرؤية العامة لسياسة الدولة الجزائرية.