سنة “تأبيد” الحرب على “السنة”
إن لم تكن الحرب العالمية الثالثة قد اندلعت في السنة التي نودعها، بقوافل من الضحايا الأبرياء من أطفال ونساء الشام والعراق، فإن معالمها حاضرة في الدمار المنهجي لمهد الحضارة الإنسانية، وموطن الوحي السماوي، يشترك فيه الطيران الحربي لأربع دول عظمى نووية، يسندها على الأرض “لفيف أجنبي” من مرتزقة الطلقاء والموتورين من الأعاجم.
ولأن 7500 طلعة جوية أمريكية لم تكن كافية على ما يبدو للحسم، فقد استعان فرنجة الغرب بظهير روسي متوثب، يحمل في قلبه ثارات القياصرة وثارات السوفييت، ليدفع بطيرانه وصواريخه المجنحة تدك بلاد الشام بـ 6000 آلاف طلعة في بحر ثلاثة أشهر، ثم لا يرى فيها القيصر الجديد أكثر من فرصة آمنة للمناورة والتدريب، لولا آلاف الضحايا من الأطفال والنساء، لم تعد تحصيهم منظمات الدفاع عن حقوق الإنسان، وقد فضلت محاكاة لعبة القردة الثلاث: لا ترى، لا تسمع، ولا تنطق.
في مقال سابق كنت قد ألمحت إلى دافع الثأر وهو يحرك الأطراف الفرنجية الموتورة، وطرف أعجمي “مسلم” لم يستحضر “ثارات الحسين” إلا تورية عن “ثارات الفرس”، غير أن هذا التفسير لا يكفي للإحاطة بما يريده “الفرنجة الجدد” ومواليهم من أصحاب “الرايات الصفر” من حرب تبدو محلية محدودة، من جهة جغرافية العمليات والعدو المعلن، لكنها تتدحرج يوما بعد يوم نحو حرب كونية مفتوحة على الإسلام والمسلمين.
فنحن أمام حرب شاملة ـ ليست العمليات العسكرية فيها سوى الجزء البارز من جبلها الجليدي ـ ليس لها سقف في الزمن والمكان والوسائل، تدور رحاها على قلب العالم الإسلامي منذ تدبير شيطانهم الأكبر لأحداث 11 سبتمبر، وقد تواطأت معه معظم دول العالم بالتغطية والتعتيم على واحدة من أكبر العمليات الإرهابية الكاذبة الخاطئة، مهدت لاستباحة قلب العالم الإسلامي من جهة الجغرافية السياسية والبشرية، كما من جهة العقيدة التي هي المستهدف الأول والأخير لجميع حروب الفرنجة.
ولمن كان عنده مقدار ذرة من الشك، فليراجع الخطب الرسمية لقادة “الفرنجة الجدد” من الغرب والشرق منذ بداية الألفية الثالثة، وقد فضحهم بوش الابن بالتصريح بحرب صليبية، باركها من الإنجيليون الصهاينة، وانتهاء بوعد استئصال المسلمين الذي تحول إلى برنامج لحملة المرشح الجمهوري: دونالد ترومب، إلى خطب القيصر بوتن، الذي يرى في “سنة” المسلمين محض حاضنة لتفريخ الإرهاب، لا يصلح معها سوى التطهير والاستئصال، ناهيك عن خطاب “الإسلاموفوبيا” وقد تحولت إلى كارثية صرفة، بمضامين عنصرية فاشية يستحي منها قدامى النازية.
ولأنه لا سبيل لهم للدخول في مواجهة مفتوحة مكشوفة مع مليار ونصف مليار مسلم، فقد وضعت الحرب تحت راية كاذبة اسمها “الحرب على الإرهاب” سرعان ما نسخت براية أخرى كاذبة اسمها “الحرب على التكفيريين” تليها عما قريب راية “الحرب على الوهابية” قبل أن ترفع الراية الحقيقية التي تضمر القضاء المبرم على “إسلام السنة” باستهداف قلبه العربي، وهذا ما ستكشف عنه تطورات الحرب في القادم من أيام وشهور السنة الجديدة حين تنقل الحرب أوزارها من خرائب الشام إلى بلاد الحرمين الشريفين تحت راية كاذبة مخادعة اسمها “تحرير الإسلام من السلفية”.