سنتان على الكارثة والبطولة الفلسطينيّة؟!
لم يكن هناك من يتوقّع أن تقع كارثة بهذا الحجم، فظاعةً وإجرامًا، نارًا ودمارًا، قتلًا وحرقًا، انحطاطًا واستهتارًا بكلّ القِيَم التي تعارف عليها البشر…
ولكن، أيضًا، هل هناك من يتصوّر بطولةً تستمر، مع هذا الفارق الهائل بين فريقٍ مُناضلٍ ثائرٍ يُدافع عمّا تبقّى له من وطن، وفريقٍ يُوغِل في عدوانه وصلفه بلا حدود.
لقد جمعت هذه الحرب على رؤوس الفلسطينيين أبشع أنواع الكوارث، ولقد خرج منهم – أيضًا وفي ذات الوقت – أعظم أشكال البطولة.
وعلى حِصاد هاتين السنتين، يختلف المحلّلون، ومما لا شكّ فيه، هو ما آل إليه المشروع الصهيونيّ وكيانهم ومجتمعهم، الذي كان يحلم بأن تكون فلسطين جنّة نعيمٍ له؛
جنة السمن والعسل، والاستثمار، والمال، والهايتك، والأمن، والأمان، وتطبيع العلاقات مع دول المنطقة، والسيادة السياسية والاقتصادية عليها… إلخ.
ولا نقول، متفائلين، إنّ كلّ هذا قد تبخّر، ولكن – بلا شكّ – قد تراجع كثيرًا.
غزّة التي كانت محاصَرة، هي الآن تُحاصِر من حاصَرها.
العالم اليوم ينظر إلى هذا الكيان بصورته في الإبادة الجماعية، وجرائم الحرب، والتطهير العِرقيّ، والسقوط الأخلاقي، ولم يعُدْ يراه بصورة “الضحية”.
لقد خسر صورة “المظلومية” و”الهولوكوست”، وصار هو مَن يُقيم الهولوكوست ويُخرجه بصورةٍ أبشع من صورته الأولى!
أصبح منبوذًا كدولةٍ ومجتمع، وكلّ مَن هو إسرائيليٌّ على مستوى العالم.
وهذا له انعكاساته الخطيرة على اقتصادهم واستقرار أمنهم.
لم يعُد الأمن والاستقرار قائمَيْن؛ أصبح كيان الإرهاب والرعب، والدمار النفسيّ، والأخلاقيّ، والقِيَميّ الشامل.
وقد اعترف نتنياهو بالعزلة العالمية في خطابه الأخير.
في المقابل، ارتفع رصيد القضيّة الفلسطينيّة؛
كلّ شعوب الأرض أصبحت ترى في غزّة قِبلةً للحرية والأحرار.
وعلى صعيد الدول، هناك اعترافاتٌ جديدة من دُوَلٍ وازنة بالدولة الفلسطينيّة، وهذا له ما له من الفوائد، رغم أنّنا نُطالب بأن يتبع ذلك إجراءاتٌ عمليّةٌ تُفضي إلى الحقوق الفلسطينيّة.
إنّنا اليوم أمام مفصلٍ تاريخيٍّ هام، ومعركةٍ فاصلة.
ومن الواضح أن المحتلّ لم يصل إلى أهدافه بعد سنتين، وهذا اعترافٌ ضمنيٌّ بالفشل؛
إذ إنّه – مثلًا – في حرب 1967 احتلّ سيناء والجولان والضفّة وغزّة في ستة أيّام.
واليوم يقف عاجزًا عن غزّة في سنتين!
هو يدّعي أنّه انتصر على عدّة جبهات، وبموضوعيّةٍ: لم يُحسَم الصراع في أيٍّ منها.
هو فَتَحَ ملفاتٍ صعبة، ولم يُفلح في إغلاقها؛
في لبنان، بقي حزب الله مصدرَ تهديد، رغم كلّ الضربات التي تلقّاها، والناجمة عن وقوف أمريكا ودُوَلٍ ذات أقمارٍ صناعيّةٍ تجسّسيةٍ خارقة، مثل بريطانيا وألمانيا وفرنسا، هذا عدا عن أمريكا.
بقي – باعترافه – الخطرُ من لبنان محدقًا.
وأضاف إلى غزّة ما جرى في إيران؛ لم يُغلَق الملفّ، ولولا الوقوف الأمريكيّ معهم…
واليمن ما زال مصدر تهديدٍ لا يهدأ له بال.
وسوريا لن تذهب عربدته واستغلاله لظروفٍ حسّاسةٍ هناك.
ثمّة أمرٌ خطيرٌ على هذا الكيان، وهو انكشافه؛
إنّه لا يُحارب وحده، بل هي أمريكا التي باتت تُحارب معه جنبًا إلى جنب.
وهذا شيءٌ خطير؛ إذ لو تخلّت عنه أو خفّفت من دعمها، فماذا سيكون مصيره؟
ومع علمنا – حسب موسوعة المسيري – أنّه “كيانٌ وظيفيٌّ” لحماية مصالح الغرب، وإذ به اليوم يحتاج الغرب ليحميه!
لولا أمريكا، التي تُحارب معه بكلّ هذه القوّة والحضور، لما استمرّت المعركة طيلة هذا الوقت.
بعد مرور سنتين، سنجد أنّ هناك تراجعًا كبيرًا للمشروع الصهيونيّ في نقاطٍ عدّة، وهذه تكشف أنّه أوهى من بيت العنكبوت…
فماذا لو كانت هناك جهاتٌ أو دُوَلٌ أُخرى سلكت سلوك اليمن؟
هذا الإجرام غير المسبوق، باستخدام وسائل وطرق لم يَسلكْها أحدٌ قبلهم، دليلُ ضعفٍ وهزيمةٍ وعُقدةِ نقص…
أن تُفجَّر أحياءٌ سكنيّةٌ بروبوتاتٍ مفخّخة، تحمِل عدّة أطنان من المتفجّرات، وبراميلَ متفجّرة، وقصفِ الطيران بصواريخَ تزن طنًّا من المتفجّرات!
هذا الحجم من التدمير وقتل المدنيين من الأطفال والنساء، لا يمكن تفسيره إلّا بكيانٍ هستيريٍّ فقد القدرة على السيطرة.
هذا دليلٌ على فقدانه أيّ صفةٍ حضاريّةٍ تمكّنه من الاستمرار بدوره كدولةٍ “محترمة” في مجتمعٍ دوليّ.
لقد فَقد البوصلة الحضارية، ولم يعُدْ له ما يُثبِت استمراريّته.
وهو مصيرُ كلّ الذين توحّشوا في التاريخ البشريّ من قبل.