سنغافورة.. من أعلى الدول عالميا في الإسكان (2)
ليست سنغافورة بلدا كبيرا أو شاسع المساحة، ولا تملك مناجم حديد أو مصانع إسمنت، فقد كانت فقيرة، معزولة، تبحث عن روابط في محيطها الإقليمي الذي لفظها عام 1965 بعد الانفصال عن ماليزيا، لتقود منفردة مسارا إصلاحيا ذاتيا بدا حينها شبه مستحيل وفق الرؤية البريطانية.
لكن سنغافورة، بلد المعرفة والانضباط، نجحت في شق طريقها نحو العالم الأول في مختلف المجالات، ولم يُنتج هذا البلد الرأسمالي الناشئ، الذي يعتمد اقتصاد السوق، فجوة اجتماعية حادة بين طبقاته كما هو الحال في عدد من الدول الرأسمالية الكبرى، إذ تعيش أقلية فاحشة الثراء بجوار أحياء فقيرة ومهمّشة كما في الولايات المتحدة، في مفارقة اجتماعية واقتصادية صارخة.
منحت سنغافورة أولوية قصوى للملفات الاجتماعية، وعلى رأسها السكن. ونجحت، رغم كثافتها السكانية العالية وضيق مساحتها، في تمليك نحو 90.8 بالمائة من المساكن لمواطنيها بحلول عام 2024، بحسب بيانات رسمية، وهو من أعلى المعدلات عالميا (الرابعة عالميا)، بل إن “بلد المليونيرات” يمنح مساكن جاهزة للمتزوجين الجدد، في بيئة عقارية تُعدُّ من الأغلى عالميًّا، ما يعكس عبقرية التخطيط الحضري السنغافوري وقدرته على تحويل التحديات الاجتماعية إلى عناصر استقرار ونمو.
مجتمع العدالة الاجتماعية.. لا مجتمع الرعاية الاجتماعية
هكذا عنون لي كوان يو، قائد نهضة سنغافورة، الفصل السابع من كتابه المرجعي “قصة سنغافورة.. من العالم الثالث إلى العالم الأول”، لخّص فيه جوهر التجربة السنغافورية، إذ يقول لي “آمنّا بالاشتراكية منهجا، وبحق الجميع في نصيب عادل من الثروة، لكننا أدركنا لاحقا أن الباعث الذاتي والمكافآت الفردية ضرورية لاقتصاد إنتاجي فعّال، ولأن قدرات البشر وإمكاناتهم غير متساوية بطبعها، أدركنا أيضا أنه لو تُرك السوق وحده لتقييم الأداء وتحديد المردود، فإن النتيجة ستكون وجود قلة قليلة من كبار الرابحين، وعدد من متوسطي الدخل، وأعداد كبيرة من الخاسرين، وهو ما يخلق توترات واضطرابات اجتماعية، نتيجة غياب شعور الناس بالعدالة”.
منحت سنغافورة أولوية قصوى للملفات الاجتماعية، وعلى رأسها السكن. ونجحت، رغم كثافتها السكانية العالية وضيق مساحتها، في تمليك نحو 90.8 بالمائة من المساكن لمواطنيها بحلول عام 2024، بحسب بيانات رسمية، وهو من أعلى المعدلات عالميا (الرابعة عالميا)، بل إن “بلد المليونيرات” يمنح مساكن جاهزة للمتزوجين الجدد، في بيئة عقارية تُعدُّ من الأغلى عالميًّا، ما يعكس عبقرية التخطيط الحضري السنغافوري وقدرته على تحويل التحديات الاجتماعية إلى عناصر استقرار ونمو.
ويضيف “حاولنا إقامة نوع من التوازن عن طريق إعادة توزيع الدخل القومي، وكانت الصعوبة تكمن في الوصول إلى نقطة التوازن الصحيحة”، ثم يوضح رؤيته بعبارات عميقة “كان هاجسي الشخصي يتمحور حول إعطاء كل مواطن حصة حقيقية في الوطن ومستقبله، أردت مجتمعا يمتلك فيه كل فرد مسكنه، فقد رأيت الفرق الشاسع بين الشقق الرخيصة في المجمعات السكنية الرديئة الصيانة، وبين البيوت التي يفخر أصحابها بامتلاكها.”
ويتابع “كنت على قناعة بأن سنغافورة لن تنعم بالاستقرار السياسي إلا إذا امتلكت كل عائلة منزلها، وراودني القلق من تركيبة الناخبين، الذين كانوا بغالبيتهم من سكان المدن، وكنت أعلم أن سكان العواصم يميلون بطبعهم إلى التصويت ضد الحكومة، لذلك صمّمت على تحويل ساكن البيت إلى مالكه، وإلا افتقدت سنغافورة الاستقرار السياسي المطلوب.”
ويختم قائلا “كان الدافع الآخر المهم هو إعطاء كل الآباء حصة حقيقية في الدولة السنغافورية التي يُفترض بأبنائها أن يدافعوا عنها ويؤدوا الخدمة العسكرية في صفوفها، فإذا لم تمتلك أسرة الجندي منزلا، فسيستنتج في النهاية أنه يقاتل من أجل حماية ممتلكات الأغنياء فقط”.
مخطط للإسكان.. وآليات لخفض الأسعار
عانت سنغافورة بداية من عام 1959 أزمة سكن خانقة، إذ كان معظم المعروض السكني آنذاك غير صالح للعيش الكريم، مكوَّنا من أكواخ ومنازل متداعية وصغيرة، تتكوّن غالبا من طابقين أو ثلاثة، وتتوزع حول نهر سنغافورة في شقق ضيقة من غرفة واحدة، تقطنها أسرٌ بأكملها.
اعتمدت الحكومة السنغافورية سياسة مبتكرة لربط تملّك السكن بالادخار، عبر برنامج الادخار المركزي، وهو صندوق تقاعد وطني يُساهم فيه كل من المواطن وربّ العمل بنسبة إجمالية تصل إلى 37 بالمائة من الدخل الشهري (20 بالمائة من الموظف و17 بالمائة من صاحب العمل)، حتى سنّ 55، وتُستخدم هذه الادخارات كوديعة أولى لتمويل شراء السكن، ضمن خطة تسمح للسنغافوريين بامتلاك منازلهم، دون تحميل الدولة أعباء صناديق التقاعد التقليدية.
استجابة لهذه الأزمة، أنشأت الحكومة في عام 1960 مجلس الإسكان والتنمية (Housing and Development Board – HDB)، ليكون الجهة المكلفة بتوفير مساكن عالية الجودة، منخفضة التكلفة، وفي آجال إنجاز محددة، خاصة للفقراء والفئات ذات الدخل المحدود، وذلك من أجل تأجيرها لاحقا أو تمليكها ضمن برامج مدعّمة.
البداية من الأرض
لضمان نجاح مشروع الإسكان، انتهجت الحكومة السنغافورية سياسة عقارية حاسمة؛ فبعد تقييم الوضع العقاري عام 1960، تبيّن أن نحو 40 بالمائة فقط من أراضي البلاد كانت مملوكة للدولة، وهي نسبة غير كافية لتحقيق رؤية الإسكان الوطنية، لذلك، أُصدِر قانونٌ جديد للاستحواذ على الأراضي عام 1966، وعدِّل في عام 1973، مانحا مجلس الإسكان والتنمية (HDB) صلاحيات أوسع لنزع الملكية وشراء الأراضي الخاصة بأسعار لا تتجاوز 20 بالمائة من قيمتها السوقية.
ساعد هذا الإطار القانوني المجلس على التفاوض من موقع قوة، ما شجّع العديد من المالكين على البيع الطوعي، وأسهم في تسريع تنفيذ المشاريع السكنية، وبفضل هذه السياسات، ارتفعت نسبة ملكية الدولة للأراضي بشكل متسارع، لتتجاوز 76 بالمائة بحلول عام 1985، وهو ما وفّر قاعدة صلبة للتخطيط العمراني طويل المدى.
وخلال الفترة الممتدة بين عامي 1959 و1985، استحوذت الدولة على أكثر من 177 كيلومترا مربعا من الأراضي (ما يُعادل نحو ثلث مساحة سنغافورة آنذاك). واستطاع مجلس HDB خلال العقدين الأولين بناء أكثر من 500 ألف وحدة سكنية، مما مكّن أكثر من 80 بالمائة من السكان من الحصول على سكن لائق بحلول منتصف الثمانينيات.
لقد مكّنت هذه السيطرة على الأراضي الدولة من خفض تكاليف البناء، وتوجيه الفوائض المالية نحو تحسين جودة المساكن، وتوفير بنى تحتية شاملة تشمل المدارس، ووسائل النقل، والمراكز التجارية والخدمية، ما ساهم في بناء مجتمع متماسك عمرانيا واجتماعيا.
خطط للتمويل
اعتمدت الحكومة السنغافورية سياسة مبتكرة لربط تملّك السكن بالادخار، عبر برنامج الادخار المركزي (CPF)، وهو صندوق تقاعد وطني يُساهم فيه كل من المواطن وربّ العمل بنسبة إجمالية تصل إلى 37 بالمائة من الدخل الشهري (20 بالمائة من الموظف و17 بالمائة من صاحب العمل)، حتى سنّ 55، وتُستخدم هذه الادخارات كوديعة أولى لتمويل شراء السكن، ضمن خطة تسمح للسنغافوريين بامتلاك منازلهم، دون تحميل الدولة أعباء صناديق التقاعد التقليدية.
وبعد نجاح هذه المقاربة، شجعت الحكومة على إشراك القطاع الخاص في مشروع الإسكان، وأبرزُ نجاحٍ مبكر لهذه السياسة كان في حريق “بوكيت هو سوي” عام 1961، الذي دمّر منطقة تعادل 8 ملاعب كرة قدم، وتسبَّب في وفاة أربعة أشخاص وتشريد 16 ألفا ساكن، وخلال عام واحد، أعاد مجلس الإسكان والتنمية (HDB) إسكان المتضررين، وبحلول منتصف الستينيات، تجاوز عدد سكان المجمعات الجديدة في المنطقة 400 ألف شخص، مما عزز ثقة الجمهور بالحكومة.
نظم وقيود للإسكان
من بين الآليات التي منعت المضاربة في السوق العقارية، قرار تأجير الشقق لمدة 99 عاما، تعود بعدها ملكيتها للدولة، وفرض قيود على إعادة البيع، إذ يُمنع بيع الشقة خلال أول خمس سنوات من تملُّكها، وإذا حصل البيع، يكون بسعر التكلفة لصالح مجلس الإسكان.
كما رُوعي في تصميم الشقق استغلال المساحة بكفاءة، مع ترك حرية التشطيب الداخلي للسكان، باستخدام مواد عالية الجودة، وبمساعدة مصمِّمين محترفين. وتحافظ الحكومة على البنايات بشكل دوري من خلال تركيب مصاعد حديثة، وتحديث الممرات والواجهات، وفق تقرير لوكالة بلومبرغ، وتضخّ الدولة نحو 1.8 مليار دولار شهريا في تجديد المباني القديمة وتحسين البنى التحتية.
نحو بيئة سكنية عادلة وشاملة
وفّرت الحكومة في مجمعات السكن كل الخدمات الأساسية والترفيهية من ملاعب، ومطاعم، ومتاجر، وعيادات، ووسائل نقل، ومكتبات ومراكز مجتمعية، مما ساهم في خلق استقرار سكني، ومنع النزوح غير المنظم أو التمايز المكاني والاجتماعي.
وحرصت الدولة على دمج الأعراق المختلفة (الصينيين، المالاويين، الهنود وغيرهم) بنسب عادلة ضمن كل مشروع سكني، دعما للانسجام الاجتماعي ومنع نشوء “غيتوهات” عرقية.
وفّرت الحكومة في مجمعات السكن كل الخدمات الأساسية والترفيهية من ملاعب، ومطاعم، ومتاجر، وعيادات، ووسائل نقل، ومكتبات ومراكز مجتمعية، مما ساهم في خلق استقرار سكني، ومنع النزوح غير المنظم أو التمايز المكاني والاجتماعي. وحرصت الدولة على دمج الأعراق المختلفة (الصينيين، المالاويين، الهنود وغيرهم) بنسب عادلة ضمن كل مشروع سكني، دعما للانسجام الاجتماعي ومنع نشوء “غيتوهات” عرقية.
وقد نجح مجلس تنمية الإسكان (HDB) في تحويل سنغافورة إلى دولة ذات فائض سكني، عبر اعتماد تصاميم عملية وقليلة التكلفة وسريعة التنفيذ، فبُنيت أكثر من مليون شقة اجتماعية في بلدٍ محدود المساحة، تُناسب كافة الفئات؛ الفقيرة، والمتوسطة، وحتى الغنية، ويعيش اليوم أكثر من خمسة ملايين نسمة في مساكن حديثة ومحدّثة.
ووفق أحدث الأرقام لعام 2024، يُعدُّ سوق الإسكان في سنغافورة من أكثر الأسواق شمولا وتوازنا بين الدول ذات الدخل العالي، إذ تتراوح أسعار شقق الطبقات الدنيا والمتوسطة، خاصة ضمن مشاريع مجلس الإسكان والتنمية (HDB)، بين نحو 350 ألف و700 ألف دولار أمريكي (الدخل الفردي نحو 91 ألف دولار في 2024)، بحسب عدد الغرف والموقع، بينما تبدأ أسعار الشقق الخاصة والفاخرة في المناطق الراقية من نحو 1.2 مليون دولار، وقد تصل في بعض الحالات النادرة إلى ما يفوق 50 مليون دولار أمريكي، خصوصا في أحياء مثل مارينا باي وأوركارد رود، ويعكس هذا التنوع السعري قدرة السوق على الاستجابة لمختلف شرائح المجتمع من دون تمييز، ويؤكد نجاح سنغافورة في توفير سكن كريم في بلد محدود المساحة، مرتفع الكثافة، لكنه شديد الانضباط في التخطيط الحضري والاجتماعي.
مفارقة النماذج.. نجاحٌ رغم التحديات
تكمن المفارقة في نجاح كل من الصين وسنغافورة في تحقيق فائض سكني، رغم اختلاف التحدِّيات الجغرافية والديموغرافية؛ إذ استطاعت الصين، رغم تعدادها السكاني الهائل، أن تموّل ملايين الوحدات السكنية، في مهمة ضخمة ماليا وتنظيميا بالنسبة لبلد صاعد، بينما نجحت سنغافورة، رغم صغر مساحتها وارتفاع أسعار العقارات فيها، في توفير سكن راق ومناسب لجميع المواطنين.
ويرجع هذا الإنجاز في كلا النموذجين إلى تبنّيهما اقتصادا تنافسيا نشطا، مدعوما بحركية صناعية وتجارية قوية، ما مكّن الحكومتين من توفير الموارد اللازمة لبرامج الإسكان، ورفع قدرة المواطنين على التملُّك عبر آليات تمويل مدروسة، وقد ساهم ازدهار التجارة الخارجية وتوسّع الاقتصاد الإنتاجي في تحقيق توازن بين العرض والطلب في السوق العقارية، فهل يمكن أن نستخلص من هذه التجارب ما يعيننا على مواجهة تحدياتنا؟
المصادر: كتب، ودراسات، ومواقع إلكترونية، وبيانات، وإحصاءات.