-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

سوريا في الصميم

جمال لعبيدي
  • 485
  • 0
سوريا في الصميم

في 9 و10 ديسمبر 2024، 480 غارة إسرائيلية على سوريا. روتيني.

نعم.. 480 ضربة على وطن، استُشهد، عُذب، فُكّك، مُزق، وأذِل وتعرض للتحرش من كل جانب، على كل الحدود.

كان بوسعنا أن نتوقع على الأقل القليل من التعاطف من “المتحضرين” تجاه شعب حرر نفسه، وعانى كثيرا، ويتنفس لحظات قليلة قبل المحن الأخرى التي تنتظره. لكن لا، لا شفقة إسرائيلية. ولا أمريكية: ففي اليوم ذاته، 9 ديسمبر، أفادت القيادة العسكرية الأمريكية المسؤولة عن العمليات في الشرق الأوسط وآسيا، في بيان صحفي، أنه جرى تنفيذ “عشرات الهجمات الجوية” في وسط سوريا. متى سيكون لديهم بعض التعاطف مع الأمة السورية؟ لا رحمة، مثل غزة.. جرى تدمير المطارات والقواعد والمستودعات العسكرية والبنية التحتية الاستراتيجية السورية، وغرق  الأسطول الحربي السوري الراسي في مينائي البيضاء واللاذقية، مثل “بيرل هاربر” على سلم المنطقة. ولكن هذا دون التعرض لخطر رد فعل مماثل. الجبن المطلق. وكل هذا من دون أن تطلق سوريا رصاصة واحدة على إسرائيل منذ عقود.

والآن بعد أن انسحب الروس الإسرائيليون يقصفون  بطلاقة، لا يخشوا  قوات الدفاع الجوي الروسية ولا طيرانها الحربي.. إنهم يستمتعون.. وسائل الإعلام الغربية تصفق سعيدة ومبتهجة. على بلاتو  التلفزيون الفرنسي، يوم 10 ديسمبر، مدير تحرير مجلة “فيغارو”، غيوم روكيت، يعلق على التدمير المنهجي لقدرات سوريا “إنه إجراء للصحة العامة”. وبجانبه، هناك أحد “جنرالات بلاتوهات التلفزيون الجنرال نيكولا ريشو الذي يعلق كلمات ‘نتنياهو’ الذي قال: “إن الجولان الآن “ملكية أبدية لإسرائيل” بمثابة “إجراء إستراتيجي ضروري لأمن إسرائيل”.

لقد نسوا التصريحات الرنانة بشأن القانون الدولي، واحترام السلامة الإقليمية والحدود. هذه القوانين لأوكرانيا وليس للعرب.. العرب، في الوقت الراهن، تسحقهم إسرائيل بلا رحمة وبلا هوادة.. إنها تريد إذلالهم تماما.

نحن ندهش في كل مرة من غباء الانسان الإسرائيلي غير القابل للقياس، ومن آفاقه المحدودة.. ماذا يعتقد أنه سيحدث؟ العرب لن ينسوا أبدا. وكأنّ إسرائيل نفسها قررت، فضلا عن عداء العرب الذي لا رجعة فيه، كراهيتهم إلى الأبد. من المؤكد أنه قد تكون هناك اتفاقيات بين الحين والآخر مع هذا القيادي العربي الأسير الخاضع أو ذاك، لكنها لن تصمد أمام اختبار الزمن.

الأسلحة الكيميائية مرة أخرى                        

بالنسبة للإسرائيليين، وكذلك للأمريكان، فإن سبب الضربات، من بين أمور أخرى، هو وجود مخازن غامضة من الأسلحة الكيميائية. آه، هذه الأسلحة الكيميائية  التي يتذرّعون بها دائما وذلك لتبرير أغراضهم الشريرة، والتي لم يثبُت وجودها قطّ. الوضع ذاتُه الذي كانت عليه أسلحة الدمار الشامل في العراق، والرضع  في الكويت، وأخيرا الرضع “الذين قُطعت رؤوسهم” حسب أقوالهم  في هجوم 7 أكتوبر على “الكيبوتس” حول غزة. الكذبة، التي تتكرّر ألف مرة، هي بمثابة الحقيقة الإعلامية. وكان من المفترض أن هذه الأسلحة الكيميائية، في ذلك الوقت، تبرر التدخل الأمريكي – الفرنسي. ولم يحدث ذلك حينها بسبب التدخل الروسي وهذا ما بقي عالقا في حلق منظّري “الحق في التدخّل” الذي خدم في تدمير العالم بإجماعه بعد انتهاء الحرب الباردة، في يوغوسلافيا، وفي أفغانستان، وفي العراق، وفي ليبيا، وفي إفريقيا، لكننا نخاطر الآن، بعد أن لم يعد آل الأسد موجودين هناك، لم يعثر على هذه الأسلحة الكيميائية الشبحية، بل اكتشفوا الكذبة الضخمة، كالعادة. كما بدأت وسائل الإعلام الغربية الرئيسية في تمهيد الطريق: فهي تشير إلى أن “الأسلحة الكيميائية غير مستقرة وتتدهور مع مرور الوقت”، أو أن الأسد دمّرها. لكن ربما يظل الكذب مفيدا.. البعض يريد إعادة تفعيله.

الغرب الرسمي يحتفل

تحتفل وسائل الإعلام الغربية الرئيسية بأخبار سقوط سلطة الأسد. هل هي فرحة تحرير شعب من قوة قمعية متزايدة القمع مع مرور الوقت؟  كلا! والأهمّ من ذلك أنهم يبتهجون بـ«هزيمة» روسيا. تحدّث الرئيس الفرنسي السابق فرانسوا هولاند، في 9 ديسمبر، على إحدى القنوات الإخبارية، عن “إهانة” روسيا، وأراد التأكيد على “هروبها من المتمرّدين”. هل ينسى الهزيمة الجماعية لجيوش الناتو الغربية في أفغانستان وخروج الجيش الفرنسي من منطقة الساحل، وهو الذي احتفل في حالة من النشوة تقريبا بالتدخل الفرنسي في مالي وقال إنّه “أسعد يوم في حياته”؟ لا يستطيع أن يكون أكثر رداءة. في اليوم التالي لكلماته، في 10 ديسمبر، قام الجيش الفرنسي بإخلاء تشاد.

مع انتهاء سلطة عائلة الأسد في سوريا، يتصرف الغرب الرسمي بطريقة مفاجِئة وكأنه يستعيد قوته.. ينسى إخفاقاته الأخيرة، وصعود مجموعة “البريكس”، والصعود الذي لا رجعة فيه للصين، وروسيا، والكارثة الأخلاقية المتمثلة في دعمه للإبادة الشاملة في غزة، والانحدار الاقتصادي. الغرب يريد أن نرى في سقوط السلطة في سوريا إعادة تنظيم جديد لميزان القوى في المنطقة، بل في العالم! هزيمة استراتيجية لإيران، وهزيمة لروسيا أيضاً. وكل هذا بفضل من؟ بفضل إسرائيل، يعلنونه بصوت واحد، أنها دمَّرت أو أضعفت “حماس” و”حزب الله” وإيران، الواحدة تلو الأخرى، يعني باختصار كل ما يسمّونه المحور الشيعي ووكلائه.

في مواقع الإعلام السائدة، يذهبون إلى أبعد من ذلك؛ يتخيلون النظام الإيراني ينهار، بالشكل نفسه كبيتٍ من ورق. ومثلما كان هناك “السلام الروماني”، فإنهم يتصورون “السلام الإسرائيلي” في كامل المنطقة. وقالت الصّحافية سارة دانييل من صحيفة “لو نوفيل أوبزرفر” الفرنسية، في 10 ديسمبر في قناة “ل ف آي”: “نأمل الآن أن نرى إسرائيل، بفضل قوّتها العسكرية التي لا مثيل لها، تعيد تشكيل الشرق الأوسط بأكمله” وترسيخ “السلام الإسرائيلي”. وهي الصحفية نفسها التي بررت الإبادة الشاملة في غزة، بصوت هادئ من دون أي تأثر في بداية المجزرة. يجلس بجانبها “جنرال البلاتوهات”، كما يُطلَق عليهم الآن بشكل مثير للسخرية. إنه الجنرال “ياكوفليف”، (إنها ثقافة ومفردات محدودة يعوّضها بجو المغامر الصريح)، الذي  يذهب إلى حد أن يتخيل، في موجة من الحماس، “الشعب الروسي يدخل قصر بوتين ويدمِّره كما دخل الشعب السوري قصر بشار الأسد”.

وفجأة نسوا المذبحة المستمرة في غزة.. لا حديث عنها.. يريدون إخفاءها بما يعتبرونه انتصارا إسرائيليا في سوريا.. نتنياهو ينفث صدره وترتفع أسهمه في البورصة الغربية.. إن محاكمته، التي يبدو أنها بدأت على استحياء، ليست سوى قصة قصصية مقارنة بكل مزايا الرجل، قائد جيش يبدو أنه لا يقاومه أحدٌ على جميع الجبهات.

وتتذكّرون أفغانستان

لكن البعض بدأ يحذّر من “الابتهاج” الذي يعتبرونه خطيرا، ويتذكّرون الابتهاج بعد الهزيمة السوفييتية في أفغانستان، ونعرف بقية القصة، وانتصار الطالبان على الاحتلال الغربي هذه المرة. ولعل هذه الأصوات الحذرة هي الأكثر وضوحاً بشأن هشاشة هذه الانتصارات الإسرائيلية.

ومن الواضح أن سقوط بشار الأسد اليوم لا يحمل الأهمية ذاتها التي كان يتمتَّع بها قبل ثلاثة عشر عاماً، عندما فرض الغرب قانونه و”حقه في التدخُّل” في كل مكان. وفي هذه الأثناء، تغيَّر العالم كثيرًا. لم يعد توازن القوى العالمي مماثلا لما كان عليه في عام 2011؛ ففي ذلك الوقت، الصين وروسيا  لم تجرُؤا حتى على معارضة غزو ليبيا، بعد التزامهما الصمت إزاء تقطيع أوصال يوغوسلافيا بشكل دموي. إن نظام الأسد مات لأنه لم يتطور، ولم يتمكن من الاستفادة من الحماية التي كانت تُمنح له لإجراء الإصلاحات التي أظهرت الانتفاضة الشعبية عام 2011 أنها ضرورية بشكل عاجل. لقد كان دليلا على عدم قدرة النظام على إصلاح نفسه.

إن نهاية سلطة الأسد تحرِّر روسيا في الأساس من الدفاع عن نظام لا يمكن الدفاع عنه، والذي فقد مصداقيته بسبب جرائمه، والذي أهدر كل فرص التقرُّب من شعبه. خلال حربي 1967 وأكتوبر 1973، اكتسب الجيش السوري صورة قومية مجيدة من خلال مآثره العسكرية في قتاله ضد إسرائيل، ولا سيما في معركة الدبّابات التاريخية التي جمعت الجيشين في الجولان. ولكن منذ ذلك الحين، لم تتخذ الحكومة السورية أي إجراء ضد دولة إسرائيل. ويمكن القول إن مقاومتها لإسرائيل صارت سلبية. ومن المؤكد أن سوريا تحت سلطة الأسد لم تقم بتطبيع علاقاتها مع إسرائيل كما فعلت بعض الدول العربية الأخرى. لكن هل هذا يكفي لصورتها المقاوِمة؟.

نخاطر الآن، بعد أن لم يعد آل الأسد موجودين هناك، لم يُعثَر على هذه الأسلحة الكيميائية الشبحية، بل اكتشفوا الكذبة الضخمة، كالعادة. كما بدأت وسائل الإعلام الغربية الرئيسية في تمهيد الطريق: فهي تشير إلى أن “الأسلحة الكيميائية غير مستقرة وتتدهور مع مرور الوقت”، أو أن الأسد دمّرها. لكن ربما يظل الكذب مفيدًا.. البعض يريد إعادة تفعيله.

وتؤكد إسرائيل ومحافل المعلقين الغاضبين الآن أن سقوط النظام السوري هو النتيجة المباشرة لأحداث 7 أكتوبر 2023، أي الحرب التي تخوضها الدولة الصهيونية منذ ذلك الحين في كافة الاتجاهات. أليس هذا في الواقع نتيجة للمقاومة الهائلة في غزة؟ وهو يجبر إسرائيل على المضيّ أبعد من ذلك في تدمير الدول والقوى العربية، وكشف هشاشة هذه القوى، وتشويه سلطتها، ثم ينهارون مثل بيوت من ورق. إن إسرائيل تعمل على تقويض قوة الزعماء العرب على نحو أفضل مما تستطيع أيُّ معارضة أن تفعله.

المسجد الأموي

مع سقوط نظام دمشق، هبّت رياح الانهزامية على بعض النخب العربية التي لا تزال منقسمة بين العداء للهيمنة الغربية والعداء للإسلاميين. لكن ما يبقى حاسماً هو نضال شعوب المنطقة من أجل تحرُّرها، والخروج من كابوس الحرب والدم والصراعات الداخلية التي التهمت المنطقة منذ قيام إسرائيل. لقد كانت لدى إسرائيل الكثير من الأوهام بشأن حماس، معتقدة أنها تستطيع التلاعب بها. ونحن نعرف بقية القصة. ما هو حاسم في النهاية ليست القناعات العلمانية، والقومية، والإسلامية، بل هو منطق التحرر الداخلي. إن الهيمنة الأجنبية نفسها تشكّل أولئك الذين يقاومونها، وتجمعهم ضدها، طالما أنهم يحبّون وطنهم.

تحدَّث فرانسوا هولاند، في 9 ديسمبر، على إحدى القنوات الإخبارية، عن “إهانة” روسيا، وأراد التأكيد على “هروبها من المتمرِّدين” في سوريا. هل ينسى الهزيمة الجماعية لجيوش الناتو الغربية في أفغانستان وخروج الجيش الفرنسي من منطقة الساحل، وهو الذي احتفل في حالة من النشوة تقريبا بالتدخل الفرنسي في مالي وقال إنه “أسعد يوم في حياته”؟ في اليوم التالي لكلماته، في 10 ديسمبر، قام الجيش الفرنسي بإخلاء تشاد.

توجَّه محمد الجولاني، قائد القوة المتمردة الرئيسية “هيئة تحرير الشام”، عند وصوله إلى دمشق نحو الجامع الأموي وهناك تحدَّث إلى الشعب السوري. هو يعلم جيداً أن سوريا في صميم الأمة، وأن هذا المسجد يرمز إلى تاريخها المرموق الذي يعود إلى قرون مضت، وأن لديه شعوراً قوياً بالوحدة. دخول مجموعات الثوار إلى دمشق الواحدة تلو الأخرى قد يثير مخاوف عكسية. إن غياب السلطة المركزية وعدد مراكز صنع القرار والولاءات المختلفة بما فيها التأثيرات الخارجية، كل ذلك يمكن أن يجعلنا نخشى الفوضى بشكل مشروع. ولكن هناك أيضًا، على الطاولة، كعناصر إيجابية، نهاية النظام الذي لا يحظى بالشعبية والذي انهار من دون رصاصة واحدة، ومن دون قتال بين الأشقاء، وإرادة السلطة المنهارة أيضًا. وهناك أيضاً الزخم والحماس الذي لا جدال فيه لدى الشعب السوري لإسقاط النظام. وكل هذا مهمٌّ ويمكن أن يكون ذا أهمية كبيرة في فرض الوحدة ودرء عوامل الانقسام والحرب الأهلية.

في مواقع الإعلام السائدة، يذهبون إلى أبعد من ذلك؛ يتخيلون النظام الإيراني ينهار، بالشكل نفسه كبيتٍ من ورق. ومثلما كان هناك “السلام الروماني”، فإنهم يتصورون “السلام الإسرائيلي” في كامل المنطقة. وقالت الصِّحافية سارة دانييل من صحيفة “لو نوفيل أوبزرفر” الفرنسية، في 10 ديسمبر في قناة “ل ف أي”: “نأمل الآن أن نرى إسرائيل، بفضل قوّتها العسكرية التي لا مثيل لها، تعيد تشكيل الشرق الأوسط بأكمله”.

دعونا نتذكّر: في الجزائر، عند التحرُّر من الاستعمار، وفي وضع كانت فيه الانقسامات والقوى النابذة تهدد البلاد، كان الشعب هو الذي فرض الوحدة والحل السلمي على الجميع وهو يصرخ “7 سنين برَكات” أي 7 سنوات من الحرب كافية”. لماذا لا يكون الأمر نفسه في سوريا؟

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!