سورية وخيارات التدمير..
في باريس يجتمع ممثلو قوى دولية كبرى لتقييم الاوضاع في سورية تحت عنوان “أصدقاء سورية” وكأن البلد العربي أصبح شأنا أوروبيا، وتأتي التصريحات الغربية لتحمل الخيارات المرة التي يقترحها الاوروبيون كوصفات متنوعة لإنهاء البلد العربي وتفتيته على الطريقة العراقية والصومالية والليبية والسودانية وغيرها... كل هذا فيما لم تظهر بعد نتائج جولة المراقبين الدوليين.
في هذا السياق، جاءت تصريحات الفرنسيين بأن حربا أهلية تنتظر الحالة السورية اذا لم يلتزم النظام بإنجاح مهمة المراقبين الدوليين، في حين تلوح الادارة الامريكية بإخضاع سورية للبند السابع من العقوبات في حال فشل مهمة المراقبين، اما الجيش الحر السوري فيطالب بتكوين قوة عسكرية دولية خارج مجلس الامن لتقوم بمهماتها العسكرية في سورية.. اما تركيا وكما جاء على لسان وزيرة الخارجية الامريكية فإنها “تفكر في تفعيل معاهدة الدفاع المشترك لحلف شمال الاطلسي بسبب القصف السوري “المشين” لمنطقة على الحدود مع تركيا..” وأضافت كلينتون في اجتماع ”اصدقاء سورية” الذي عقد في باريس، ان ”تركيا تفكر رسميا في تفعيل المادة الرابعة من معاهدة الحلف الاطلسي”.
لقد فشل الغربيون في مجلس الامن في استصدار قرار دولي للتدخل العسكري في سوريا بشكل علني ومباشر، وذلك لغياب اجماع عربي رسمي لتغطية القرار الدولي.. ورغم ذلك الا انهم لم يعجزوا فساروا في اتجاه تشكيل مرجعية اخرى تضم إليها قوى دولية وإقليمية نافذة، وهذه المرجعية بدأت تأخذ موقعها في الاعلام والسياسة لتكون بديلا عن المرجعية الدولية.
تطرح هنا عدة اسئلة من الجهة السياسية، أولها حول الموقف الدولي الرسمي وكيفية تشكله تجاه قضايا امتنا، حيث يتسم بالعدوانية والتربص الماكر لإحباطنا كما يتضح في اخطر عملية تهدد الانسان وثقافته التي يمارسها الكيان الصهيوني العنصري ضد شعب اعزل منذ اكثر من ستين عاما..؟ اين حقوق الانسان وأين كل دعاوى الشرعية الدولية؟ ثم هل يمكن ان يواجه الغرب ازماته الداخلية بالسماح لأحد من بلدان العالم بالتدخل فيها؟؟ ماذا لو تخيلنا ان دولة عربية تساند الباكس الاسباني، او ان دولة عربية تمول الجيش الجمهوري الايرلندي ..؟؟ ماذا كان سيسمى هذا الموقف؟؟ ماذا لو وقف العرب مع ثورة الزنوج في امريكا، وماذا لو تبنت جامعة الدول العربية حقوق الهنود الحمر في الولايات المتحدة وطالبت الجامعة بإعتذار الامريكان البيض لهم وزودت بالسلاح احرارهم وقام اولئك بالهجوم على مؤسسات الدولة ومرافق المجتمع؟؟ لو فعل العرب قليلا من ذلك لأوجب هذا الغضب الجارف الذي لا يتوقف الا بالدمار الشامل..
سورية اليوم تقف امام خيارات التدمير الجهنمية، وتتحرك الدوائر الامنية الغربية لتهيئة المناخ تماما، وتمثل قطر القاعدة الاساسية للهجوم الامريكي على الدول العربية من خلال مالها وإعلامها وفتاواها.. وتشترك في ذلك دول عربية تستخدم اليوم كمنصات للقاذفات الغربية على بلاد العرب والاسلام في المنطقة.
لكن الذي لم تدركه السياسات الغربية ان الامة وطلائعها الحرة الشريفة، وهي الاصل في هذه الامة، قد ترفض جور حاكميها وتصارعهم وتقدم ابناءها اعظم شهداء بكلمة حق ضد جور الانظمة، الا ان هذه الامة تمتلك من الوعي والحاسة اليقظة ما بجعلها قادرة على التمييز بين الاصلاح والتدمير، وبين الثورة والعمالة، وبين القريب الفاسد والاجنبي القاتل.. لهذا كله سيفشلون وتنهزم مخططات الدمار.. ولكن على النظام في سوريا وهو يرى كيف ان الامة لم تسلمه للامريكان والفرنسيين عليه ان يرد الجميل بأن يفرج عن المساجين، ويعفو عن المطاردين، ويطلق الحريات للتداول السلمي على السلطة، ويكسر الاغلال عن الاعلام والعمل السياسي.. ان شعبنا السوري يستحق حياة كريمة، والأمة تستحق ان تكافأ قبل فوات الاوان.