-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

سوق أهراس.. مدينة الأسود وزيتونة أغسطين وقبائل الحنانشة

فاروق كداش
  • 2404
  • 0
سوق أهراس.. مدينة الأسود وزيتونة أغسطين وقبائل الحنانشة

قد تكون مدينة سوق اهراس من أقدم مدن الجزائر، اسمها القديم طاغست، وهي بحسب بعض المصادر، سبقت حواضر الجزائر كجزائر بني مزغنة ووهران وعنابة وقسنطينة وتلمسان..

حضارات عدة مرت من هناك، فطبعت التاريخ بختم من ذهب الأمازيغية العاترية والفينيقية والوندالية والرومانية والبيزنطية والعثمانية.

اشتقت تسمية مدينة سوق أهراس من الكلمة الأمازيغية: أَهْرَاس، وهي جمع أَهْرَس التي تعني الأُسُود بالعربية، على اعتبار أن المنطقة كانت تعيش فيها إلى عام 1930 الأُسُود التي كانت تتخذ من غاباتها عرينا لها. أسطورة أخرى، تقول إنه في الأصل كان يطلق عليها سوق الرأس. هذا يعني سوق الرؤوس. فقد كانت المدينة استضافت في الماضي سوقا تباع فيها الرؤوس المحنطة للحيوانات البرية المتوحشة، بما في ذلك الأُسُود والدببة والأفيال والفهود، تظهر عدة نقوش صخرية (ككاف المصوره)، وفسيفساءات، عثر عليها في مواقع بالقرب من المدينة، مشاهد صيد للحيوانات البرية.

الاسم القديم للمدينة النوميدية طاغاست، مستمد من كلمة طاغوست الأمازيغية، التي تعني الحقيبة، نظرًا إلى موقع المدينة على سفح جبل محاط بثلاث قمم على شكل حقيبة تحتوي على المدينة. ورواية أخرى، تقول: كلمة طاغاست تعني (بيت الكنز)، بحسب مستكشف ألماني، (المصدر: كتاب القاعدة الشرقية)، في وقت لاحق، عندما دخلت اللغة العربية إلى المنطقة صارت تسمى سوقارا، وأيضاً تاجيلت، وفي مصادر أخرى، ذكرت باسم قصر الإفريقي، وفقا للمسعودي.

عمر طاغست نحو 20 ألف سنة، وكانت قبلة في ما مضى لطلب العلم، لأن على أرضها بنيت أكبر وأول جامعة في إفريقيا، وهي جامعة مادور. ورواية الحمار الذهبي، وهو أقدم نص روائي مكتوب في تاريخ الرواية الإنسانية، كتبت في سوق أهراس، وأربعون بالمائة من آثار الجزائر القديمة قائمة في هذه المنطقة العريقة. وتضم مادور وخميسة وتيفاش وزيتونة سانت أوڨستين، التي يعود تاريخها إلى نحو 2900 سنة ميلادي، زاوية سيدي مسعود، هنشير القصيبة، كاف المصورة، التي سيتم عن قريب تسجيلها في منظمة اليونسكو.

أسود العلم والسياسة

مدينة طاغست القديمة، كانت مسقط رأس ومكان دراسة الكثير من الشخصيات العالمية، التي أثرت في مجالات كثيرة كالسياسة والفلسفة والأدب، والقائمة طويلة من أبرز منتسبيها الكاتب اللاتيني مارتيانوس كابيلا، والفيلسوف أوغسطينوس، وألبينوس طاغاستي، وهو صديق القديس سانت أوغسطين الشهير، وعالم اللغة اللاتينية مكسيميوس، والقائد الشهير تاكفاريناس، المولود في سوق أهراس في القرن السابع قبل الميلاد، والقائد العسكري المسلم فاتح شبه الجزيرة الإيبيرية طارق بن زياد. ومن عصر أكثر حداثة، نجد الشيخ أحمد الكبلوتي، وهو من رموز المقاومة الشعبية الجزائرية، والشيخ بشيشي بلقاسم اللوجاني، أحد مؤسسي جمعية العلماء المسلمين.

الحضارة تتجدد في طاغست

تعاقبت على سوق أهراس حضارات عدة، تعود أولاها إلى فترة ما قبل التاريخ، من أهم شواهدها نقوش صخرية نادرة تعود إلى 7000 سنة قبل الميلاد.

بعدها، سكن البربر المنطقة، وبعد تأسيس الفينيقيين مدينة قرطاج سنة 814 ق. م، ربطوا علاقات تجارية مع سكان ثلاث مدن رئيسة كمراكز تجارية، وهي سوق أهراس ومادور وتبسة. خلال هذه الفترة، انتصر ماسينيسا وروما على قرطاج. وهذا ما سمح له بتوحيد المملكة النوميدية التي ضمت ماسيليا وماسيسيليا، في حدود القرن الثالث قبل الميلاد. وبذلك وضعت الحدود الجزائرية الحالية.

تعتبر طاغاست شاهدا على الحضارة النوميدية، وتعد أهم مدن نوميديا الشرقية، وهي أقدم مملكة أمازيغية تأسست على يد “زالالسان” في القرن الثالث قبل الميلاد.

زيتونة القديس

تتمتع زيتونة القديس أوغسطين بشهرة عالمية، ولا تزال شامخة مخضرة إلى حد الآن بضواحي طاغست، كشاهد عن الماضي العتيق لهذه المنطقة من الوطن.. فهو ابن المنطقة. فقد اعتبر هذا القديس هذه الزيتونة أفضل مكان للتفكير والتخمين، خاصة أنها تقع فوق ربوة تتميز بهدوء روحاني ملهم وتطل على مدينة طاغاست الرومانية قديما. بجانب الزيتونة، يتواجد برج كتبت بداخله شجرة العائلة للقديس سانت أوغسطين، وكذا أصدقاؤه القساوسة. بجوار الزيتونة، شيد متحف تعرض به لوحات نحاسية أنجزت بطريقة رائعة الإتقان، تترجم مسار حياة القديس أوغسطين ورحلته الروحانية والفلسفية.

سوق أهراس.. معقل الثوار

في العهد العثماني، اشتهرت قبيلة الحنانشة الشاوية بنفوذها الكبير على القبائل الأخرى، ومقاومتها الشرسة للاحتلال العثماني بقيادة الشيخ الوزناجي.

في عهد الاستعمار الفرنسي، اشتهرت قبيلة الصبايحية في المقاومة، وعرفت انتفاضتهم في كل الجزائر، وكان سببها القرار الذي أصدره وزير الحربية الفرنسي بتاريخ 18 جانفي 1871، القاضي بنقل عدد كبير من قوات الصبايحية إلى أوروبا، للمشاركة إلى جانب فرنسا في حربها ضد بروسيا مع بداية عام 1871. وهو القرار الذي لم يقبل به الصبايحية فثاروا ضده.

سوق أهراس، كانت الأرض الطيبة التي استقبلت الثورة وشهدت على أكبر المعارك التي خاضها جيش التحرير، وهي معركة سوق أهراس الكبرى في وادي الشوك، التي دامت عدة أسابيع، واستشهد خلالها أكثر من 500 مناضل، وقتل مئات العسكر الفرنسيين.

فن وفقيرات

تحتفي سوق أهراس بالعديد من الطّبوع الموسيقية المستمدّة من تراث المنطقة العريق، نذكر منها بالتحديد المالوف، والعيساوة، كأحد طبوع الموسيقى الصوفية، إلى جانب هاذين الطابعين تتميز أيضا سوق أهراس بطابع غنائي تؤديه مجموعة من النسوة لا يتجاوز عددهن الـعشرة، تعود نشأة هذا الطابع الغنائي إلى ما يقارب الـ 60 سنة، ويعرف بالفقيرات.

الشيخ بورقعة، الشاعر المعروف، قد يكون من أشهر أعلام الثقافة والفن في سوق أهراس. اسمه الحقيقي مساعدية أحمد بن محمد، من مواليد عام 1903 بمشتة النعشة عرش أولاد ضياء بلدية عين الزانة، وهي إحدى بلديات سوق أهراس، وقد غلب عليه لقب بورقعة منذ حداثة سنه، نتيجة ارتدائه للباس المرقع بسبب فقره، من أشهر أشعاره “ياخوي مريض والقلب مكدر”.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!