سيدات يتركن الوظيفة للعمل على المواقع
تحولت مواقع التواصل الاجتماعي، مع مرور الوقت، إلى بديل للعديد من ميادين الحياة. فهي اليوم إعلام بديل وتجارة موازية، ومنصة تكوين وتدرب وأضخم سرح يقدم النصائح والتوجيهات في أي موضوع يخطر بالبال، توفر مصدر رزق محترما لملايين الأفراد، وهو ربما ما شجع العديد من السيدات للبحث عن فرصهن في هذا الفضاء.
لم يكن من المعقول سابقا أن يتم استخدام هذا العالم الافتراضي، الإنترنت، بهذه الجدية والعمق، ولا أحد كان سيصدق أنه يمكنه البقاء في منزله طوال اليوم، بينما يجني قوته ويطلب حاجياته من أدقها إلى أهمها بكبسات زر، فكل شيء تقريبا يرتبط في وقتنا هذا بالإنترنت، وللأفراد حرية استخدامه من تركه، في حين تكشف الإحصائيات أن النساء من مختلف الطبقات والأعمار هن أكثر من ينشط على المواقع وأكثر من يستفيد منها ويفيد بها، بدءا من تقديم نصائح حول الجمال والموضة والديكور إلى إنشاء مشاريع فعلية تدر أرباحا مغرية، دفعت موظفات مرموقات إلى ترك الوظيفة والالتحاق بركب اليوتيوب والأنستغرام.
مداخيل التعاون والتبادل تفوق راتبي
يعتمد أصحاب العلامات التجارية، الناشئة مؤخرا، على الحسابات الأكثر متابعة على الإنترنت لترويج منتجاتهم، مخصصين لهذه العملية ميزانية بالملايين. فقد قدمت شركة تركية للمكياج ومنتجات التجميل ما يتراوح بين سبعة ملايين وعشرين مليونا لكل واحدة من الأنستغراموز الثماني، اللواتي شرعن في الترويج لمنتجاتها فور حلولها بالجزائر. تعترف إحداهن، وقد كانت عاملة بإدارة مؤسسة خاصة، ورفضت نشر اسمها، بأن ما تتقاضاه من شركة المكياج هذه لوحدها هو ضعف راتبها السابق، دون احتساب بقية التعاونات والإشهاريات.. هذا الواقع، دفع بالكثير من الموظفات، بخاصة من يعملن في ظروف سيئة أو يتقاضين رواتب مجحفة، إلى المغامرة بمناصبهن للعمل على الأنستغرام. هي حال بسمة، التي شغلت محاسبة لمدة سبع سنوات بمصنع للزرابي، وكانت تعمل تحت ضغط كبير وتواجه يوميا مشاكل لا تنتهي، تروي للشروق العربي تجربتها: “راتبي كان مقبولا، على عكس بيئة العمل، فكرت في البديل، وقمت بشراء حساب أنستغرام يحمل ثلاثين ألف متابع وهمي، حضرت محتوى خاصا بالطبخ والديكور، ثم قدمت استقالتي وحصلت منذ الأشهر الأولى على مدخول محترم من الإشهار، بينما مازلت أسعى للأفضل، وصفحتي في تطور يوميا، إذ بلغت قرابة مائة ألف متابعة نشطة”.
دلال وشهرة وراحة نفسية وجسدية
منحت مواقع التواصل الاجتماعي الكثير من الفتيات والسيدات امتيازات، ما كن ليحلمن بها في وظيفة حكومية، أو بموجب شهادات جامعية عليا، وإن كان لا يحق لنا وصف الأمر بغير العادل أو المجحف. ذلك أن قانون الإنترنت في الجزائر واضح يعلمه الجميع، فقد يحصل على الشهرة والدلال والمكانة الاجتماعية أفراد لم يكن لهم وزن في الواقع، تنفخهم المتابعات الكثيرة كبالونات الهواء وتستعملهم الجهات التجارية لتصل إلى أكبر عدد من الزبائن والمهتمين، ففي حين تستيقظ فتيات في الصباح الباكر للذهاب إلى العمل أو الدراسة، يجابهن الصعاب على كثرتها، ليحصلن على راتب شهري لا يسمح لهن بزيارة مركز تجميل أو شراء إطلالة لائقة كما يحلمن بها، وهن اللواتي ينفقن يوميا على المواصلات والأكل الخفيف والضروريات.. تجلس أخريات بعد نوم هنيء خلف شاشة الهاتف يخاطبن المتابعات وتتهافت عليهن العروض لأرقى مراكز وصالونات العناية والتجميل، وتصلهن الألبسة المتنوعة والإكسسوارات، وحتى أطباق الطعام الجاهز، فينلن من الدلال المجاني ما تحرم منه حتى الموظفات برواتبهن.
مستقبل غامض مهدد بالانهيار.. وانقلاب جمهور المتابعين شبح يلاحقهن
ترك الشهادة العليا، والوظيفة القارة والركض خلف المتابعين والإشهار والمداخيل، أصبح موضة واتجاها يغري الكثير من العاملات، بيد أنه ومهما بلغت قوة المواقع ستظل افتراضية لا تضاهي بأي شكل من الأشكال قيمة الفرد في واقعه المجتمعي، فكم من إمبراطوريات على الأنستغرام واليوتيوب هوت في ليلة واحدة، بحكم انقلاب جمهورها أو تهكيرها من قبل حاقدين أو منافسين، ثم إن المرء الذي يقاس اليوم بعدد متابعيه، لو لم يستغلهم لمشاريع فعلية ويعمل جادا، فقد يتحول إلى هباء في ظل التغييرات السريعة التي يلعب عليها مالكو هذه المواقع، حيث يؤكد خبراء في تكنولوجيا المعلومات أن كل المواقع التي يملكها مارك زوكربيرغ مهددة بالزوال والفقد قريبا جدا، حيث يتم العمل على تغيير ملامح هذا العالم الافتراضي، ويحذرون أصحاب المنصات الكبرى من استمرار الاعتماد عليها فقط في تحقيق الربح.