-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
نهاية حزينة لواقعة اختفاء الطفلة بسطيف

“سيدرة” خرجت من المنزل بمفردها.. فعُثر عليها جثة تطفو بالواد

سمير مخربش
  • 1940
  • 0
“سيدرة” خرجت من المنزل بمفردها.. فعُثر عليها جثة تطفو بالواد
ح.م

رفت، الخميس، حادثة فقدان الطفلة “سيدرة” بولاية سطيف، نهاية مأساوية بعد العثور على جثة الضحية في واد مجاور، وسط حسرة كبيرة، وحزن أكبر خيّم على بلدية مزلوق التي انخرطت لمدة 3 أيام في حركة تضامنية مع أهل الضحية، لينتهي كل شيء بجثة تطفو فوق سطح الماء، بعدما غفلت عنها أمها لمدة 10 دقائق.
فور سماعنا لخبر العثور على جثة الطفلة “سيدرة حمادي” البالغة من العمر 32 شهرا، تنقلنا إلى بلدية مزلوق التي تبعد عن عاصمة الولاية سطيف بحوالي 11 كلم، وهي بلدية صغيرة لم يسعها حجم الكارثة التي حلّت بعائلة حمادي، فلم يكن للناس حديث غير قضية الطفلة “سيدرة”، ولم تكن لهم وجهة سوى بيت الضحية والمنطقة التي عثر فيها على جثة الطفلة.
ومع التحاقنا بركب الفضوليين، أدركنا الموقع وجثة الطفلة لم تبرح مكانها، حيث قام رجال الدرك بتطويق المكان، وشرعوا في معاينة موقع الحادث بالتنسيق مع رجال الحماية المدنية، وبالقرب منهم جمع من المواطنين اشرأبت أعناقهم لمتابعة مجريات تفقد الجثة. أما والد الطفلة، فلم تتحمّل رجلاه ثقل الكارثة ففضّل الاستلقاء فوق العشب القريب من الواد، وكانت تبدو عليه ملامح الدهشة والحسرة، ولما اقتربنا منه كانت سحابة الدموع قد تراكمت في عينيه، وسبّابة يده اليمنى ترافق لسانه في ترديد عبارة: “لا إله إلا الله محمد رسول الله”، الرجل لازال تحت الصدمة، تفصله أمتار قليلة عن جثة ابنته التي مازالت محل معاينة، لم يتمالك نفسه، فأدار ظهره للموقع ولسانه رطب بذكر الله. لما قاطعنا دهشته بحديث مواساة، اكتفى بالقول: “الحمد لله أننا وجدناها وانتهت الحيرة”. لم يزدنا عن هذه العبارة سوى تقديم الشكر للرجال الذين شاركوا في البحث عنها لمدة 3 أيام كاملة.
تركنا الرجل وسط هالة الصدمة التي أحاطت به، وتنقلنا مع عم الضحية عبر المسافة الوسطى التي تفصل جنة البيت عن نار الواد، نسترجع أطوار المأساة التي حلّت بعائلة حمادي التي تنحدر من ولاية الجلفة، وهي العائلة التي تنقلت إلى بلدية مزلوق لتقديم العزاء لأخت أم سيدرة التي فقدت حماتها، وهي لا تعلم أنها ستعود بعد العزاء بجثمان ابنتها الصغرى.

بيت صغير بين المروج يحاصره الفقر وواد متربص
المكان هنا يغلب عليه الطابع الريفي، ومن معالمه العشب الأخضر والأشجار المترامية على حافة الطريق، ومحيط الواد الذي “التهم” الطفلة الصغيرة. وأما المنزل الذي خرجت منه الطفلة، فهو عبارة عن مسكن فردي من البناء الذاتي، غير مكتمل يوحي إليك بأن أهله بسطاء، بل كل شيء هنا يرمز للفقر والعزلة والحرمان. وفي رفقة عم الطفلة، علمنا أن أهل البيت كانوا منشغلين بجنازة أم عجوز، وهي حماة خالة الضحية، وفجأة انقلبت الأحداث وارتفعت شدة التوتر مع فقدان البنت “سيدرة”. كان ذلك يوم الثلاثاء، وبالضبط في حدود الساعة الحادية عشر صباحا، حينما شرع أهل الدار في تقديم وجبة الغداء للمعزين، وحينها، تقول خالة الطفلة “افتقدت سيدرة التي كانت تحت عيني وعين أمها ولم تفارقنا إلا لمدة عشر دقائق، فبحثت عنها” تقول الخالة، “في نواحي المنزل، ثم خرجت أسأل عنها عند الجيران، فبحثوا عنها في كل مكان ولم يعثروا لها على أثر”. وهنا بدأ الشك والفزع يتسربان إلى أذهان أفراد العائلة، فلا حديث إلا عن “سيدرة” التي اختفت عن الأنظار. ومع تمدّد عملية البحث، لم يكن هناك خيار سوى الإعلان عن فقدان البنت وتبليغ السلطات الأمنية، ورجال الحماية المدنية الذين تدخلوا بعد الظهيرة وشرعوا في عملية البحث عن الطفلة المفقودة.
وحسب النقيب أحمد لعمامرة، رئيس خلية الاتصال بالمديرية الولائية للحماية المدنية بسطيف، الذي التقيناه بمكان الحادث، فإن عملية البحث بدأت بتجنيد 30 عنصرا من أعوان الحماية المدنية، وفي مثل هذه الحالات، يقول النقيب في تصريح لـ”الشروق”، يجب التركيز على محيط المنزل والأماكن الخطيرة المشتبه فيها، فكانت الوجهة الأولى إلى البئر القريبة من المنزل، والتي دخلها الغطاسون وتفقدوها بدقة بدون أن يجدوا أي أثر للطفلة، وبعدها، يقول محدثنا، تحوّلت الأنظار إلى واد “بوسلام”، الذي يبعد عن منزل العائلة بحوالي 700 متر. وهناك بدأت عملية تمشيط واسعة شارك فيها رجال الدرك والحماية المدنية وسكان المنطقة، ومع مرور الدقائق والساعات ارتفعت درجات الحيرة، وازدادت شدة الخوف مع حلول الظلام الذي حجب الرؤية وحجب معه أي أثر للطفلة “سيدرة”، التي تقضي أول ليلة لها بعيدا عن أحضان أمها.

كاميرا المراقبة ترصد الطفلة تسير بمفردها
الوضع يقتضي تعليق عملية البحث، واستئنافها في اليوم الموالي، أين اتسعت دائرة النشاط، وجاب أعوان الحماية المدنية مجرى الوادي ومحيطه بمشاركة رجال الدرك ومتطوعين جاؤوا من مختلف المناطق بعدما انتشر خبر فقدان الطفلة عبر “الفايس بوك”. وحسب عم الضحية، فإن الكلاب المدربة التي استعان بها رجال الدرك كانت توجهت مباشرة نحو الواد، ولذلك، تم التركيز على هذا المكان، لكن العملية لم تكن سهلة خاصة مع نشاط المياه التي ارتفع منسوبها بعد الأمطار الأخيرة.
ويؤكد محدثنا أن كاميرا المصنع المجاور التقطت صورة الطفلة “سيدرة” وهي تمشي بمفردها، ومرت بمدخل المصنع وتحركت باتجاه الوادي. وهنا يقول صاحبنا “من حق أي شخص أن يتساءل كيف لطفلة عمرها أقل من 3 سنوات تمشي بمفردها وتخرج من منزل عامر بالسكان والمعزين بدون أن ينتبه لها أحد”. هذا هو السؤال المحيّر الذي لم تعرف له إجابة. وبالنسبة لأفراد العائلة، بدأ الحديث في اليوم الثاني عن عملية اختطاف، ووالدة “سيدرة” وجّهت نداء للذين شكّت بأنهم اختطفوها أن يعيدوها إليها أو “يتركوها في مكان وسأسامحهم ولن أسأل عنهم، ففؤادي تمزق، وقلبي يخبرني أنها لازالت على قيد الحياة”.
وأما في الميدان، فعملية البحث انتهت في اليوم الثاني، وتم استئنافها في اليوم الثالث، وكان أحد المواطنين قد توجه بالصدفة إلى الواد في شطره القريب من المنزل، ليجد جثة الطفلة “سيدرة” بادية للعيان وكأنها وضعت للتو، كان ذلك في حدود الساعة الثالثة بعد الزوال. وحسب عم الضحية الطفلة، لم تكن تبدو عليها أي إصابات، بل كانت سليمة وحتى المياه لم تؤثر في جسدها، بل بدت “سيدرة” وكأنها نائمة والماء يجري من حولها بعدما علقت بغصن شجرة. وبعدما جاء الخبر اليقين، توقفت عملية البحث، وهرع الناس إلى موقع الجثة، أين تم فتح تحقيق بحضور وكيل الجمهورية. ومع انتشار الخبر، انهار أفراد العائلة، ولم تتمالك الأم نفسها وهي الآن تحت الصدمة، لازالت لم تصدق أن ابنتها فارقتها للأبد.
أهل الدار نسوا جنازتهم وغشيتهم الصدمة، وبدأ البكاء والعويل وسط حيرة امتزجت بحسرة اعتلاها سؤال واحد: “كيف غابت سيدرة عن أنظارنا ونحن مجتمعين؟” سؤال تفرعت منه عدة تساؤلات، كيف خرجت الطفلة من المنزل، وكيف سارت كل هذه المسافة المقدّرة بحوالي 700 متر؟ هل يعقل أن لا يشاهدها أحد من المعزين الذين كانوا بالمنزل وخارجه؟ هل هناك شخص أخذها إلى هذا المكان؟ هناك ألف سؤال وسؤال ولا أحد يجيب، ومهما كانت الإجابة، فقد ماتت “سيدرة” وانتهى كل شيء.
تركنا أهل الضحية في حيرة كبيرة بعدما أخبرنا العم أنهم ينتظرون إتمام عملية التشريح واستلام الجثة، وقد تمت برمجة جنازة “سيدرة” بمسقط رأسها بولاية الجلفة، وأما العائلة في بلدية مزلوق، فقامت بتمديد فترة العزاء بعد جنازتها الأولى ليتضاعف المصاب. وتبقى أم “سيدرة” أكثر الناس تضررا فقد ظلت تبكي والحسرة تمزق فؤادها وهي تردّد: “كيف ضاعت مني ابنتي؟”.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!