-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
صمدت أمام الجفاف ونسجوا من حولها الخزعبلات

شجرة “الشلالق” في خنشلة… بين الفوائد الصحية والخرافة

مامن. ط
  • 150
  • 0
شجرة “الشلالق” في خنشلة… بين الفوائد الصحية والخرافة
ح. م

على مستوى الطريق الرابط بين خيران والولجة الممتد على مسافة 30 كلم، بجنوب ولاية خنشلة، تقف شجرة تبدو عادية في شكلها تصفرّ ربيعا، وتعود في الخريف إلى ضبابيتها، لكنها تحولت في المخيال الشعبي المحلي، إلى رمز مثقل بالحكايات والرموز، حتى صار البعض، يطلق عليها اسم الشجرة المباركة، وتُنسج من حولها روايات تتأرجح بين العادة الاجتماعية والخرافة المتوارثة والحقيقة أيضا.
يتوقف الناس أمام هذه الشجرة التي لا تشيخ، حتى عندما ضرب الجفاف المنطقة هرمت كل الأشجار من دون استثناء، إلا هي… شجرة ميموزا صفراء تسرّ الناظرين يسمونها بشجرة “الشلالق”. تتوقف أمامها السيارات ثم تنطلق ولكل رأي في هذه الشجرة.
يتداول بعض سكان المنطقة، كلمة “الشلالق” كتقليد قديم يتمثل في تعليق قطع من الأقمشة على أغصان هذه الشجرة، ويقال إن الهدف منه كان في الأصل إعلان نية الزواج، ففي بعض الروايات الشعبية، تقوم العائلات، خاصة في الماضي بتقسيم قطعة قماش إلى قسمين، جزء يُعلّق على الشجرة، وجزء يُحتفظ به عند مدخل البيت، كنوع من الإعلان الرمزي، عن وجود فتاة في سن الزواج، مع مراعاة لون القماش حتى لا يحدث خلط بين العائلات.
كما تُروى حكايات أخرى أن بعض الرجال كانوا يتركون قطعة من ثيابهم بنفس المكان، في إشارة إلى رغبتهم في الارتباط، ومع مرور الوقت، لم تبق الحكاية في حدود الزواج فقط، بل توسعت في المخيال الشعبي إلى اعتقادات أغرب، حيث يقال إن من لم يستأذن الشجرة، لن يكون سعيداً في حياته، أو حتى لن ينجح اجتماعياً، وقد لا توصله سيارته إلى مراده… لأجل ذلك نشاهد الناس تتوقف أمامها ربما استئذانا ثم تنطلق.
بل وصل الأمر في بعض السرديات الساخرة المتداولة إلى القول إن من أراد أن يصبح مسؤولاً أو “ميرا” أو حتى نائباً في البرلمان، فعليه أن يعلق شيئاً عندها، وإلا فلن يحقق طموحه، فتسيست الشجرة الصفراء.
وفي تسعينيات القرن الماضي، تجرّأ أحدهم وهو كهل في الخمسين من العمر، من سكان خيران، وحاول بناء “قرّابة” (مزار) في المكان، من أجل الاسترزاق من الشجرة، ومن جهل بعض الناس وسذاجتهم، زاعما قدرة الشجرة على إعطاء الولد للعاقر وتزويج العانس وشفاء المريض، وهذا عبره، وبمقابل مالي طبعا، ولكن المواطنين طردوه فغادر بلا عودة، بل إن أحدهم حمل فأسه ونوى قطع الشجرة ومعها الخرافة ثم منعوه، فالشجرة لا ذنب لها، وتبقى أجمل الحكايات، في كون هذه الشجرة منحت الظل في الصيف القار، لعدد من المجاهدين وهم يشقون الطريق، مشيا على الأقدام ومنهم الشهيد الرمز عباس لغرور. فالمبالغات تعكس كيف تتحول بعض الممارسات البسيطة مع الزمن إلى أساطير شعبية، تحمل رموزاً أكبر من حقيقتها.

علينا فصل العادة الاجتماعية عن الخرافة
ومن الناحية الاجتماعية، تقول المختصة كريمة دراجي، إنه لا يوجد أي أساس علمي أو ديني يربط بين هذه الشجرة أو غيرها وبين الزواج أو النجاح أو البركة، بعض الناس يجرون وراء الحلم ببعض الممارسات وهم يدرون ببهتانه، لكن السياق التاريخي بإعلان الرغبة عن الزواج عبر شجرة، هو تأكيد على الحياء الذي اشتهرت به العائلة الجزائرية.
كما يرى بعض الباحثين في الثقافة الشعبية أن مثل هذه الممارسات تدخل ضمن الرموز الاجتماعية القديمة، التي كانت تُستخدم للتعبير عن النية أو الطلب بطريقة غير مباشرة في زمن كانت فيه وسائل التواصل محدودة، وبمعنى آخر ما بدأ كرمز اجتماعي بسيط للتعارف أو الزواج، تحوّل مع الزمن إلى قصة محمّلة بالمبالغة والتأويلات الغيبية، حيث تبقى هذه الشجرة جزءاً من الذاكرة الشفوية للمنطقة، تعكس كيف يصنع الناس حكاياتهم الخاصة حول الأماكن.
لكن من المهم التعامل معها بعقلانية، وفصل العادة الاجتماعية عن الخرافة، حتى لا تتحول الرموز الشعبية إلى معتقدات تؤثر على التفكير أو القرارات.
أما “عمي العارف” وهو أحد أشهر باعة الأعشاب في أسواق الولاية، وخاصة في سوق عاصمة الولاية “زقاق السوافة” أو السوق الأسبوعي في “عقلة لبعارة” فيقول للشروق اليومي، إنه يستعمل أوراق شجرة الميموزا في بعض الخلطات، الخاصة بمداواة الالتهابات كما لها فائدة مؤكدة في التئام الجروح أو الحروق بنفس الفائدة الآنية لزيت الضرو، وتستعمل أيضا عبر غلي بمشروب مائي، في تحسين الهضم لدى الذين يعانون من الإمساك على حد تعبير عمي العارف، الذي قال بأن “الميموزا” شجرة لا تتأثر بالجفاف، والناس ظنت صمودها واخضرارها على مدار العام حتى تحت درجة الخمسين مئوية معجزة والأمر عادي جدا.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!