-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
أقواس

شخصيات في حياتي الأدبية

أمين الزاوي
  • 4420
  • 0
شخصيات في حياتي الأدبية

… وإذ جاءني الخبر، أنا الآن في السنة الثالثة متوسط بتلمسان القسم الداخلي، كنت في قاعة الدرس، قال لنا الحارس: “سنذهب غدا زوالا لحضور محاضرة سيلقيها الدكتور عبد الملك مرتاض بمكتبة الحزب”. كان الحارس مفرنسا مهتما بقراءة مجلات الرياضة أكثر من أي شيء آخر، شعرت بأن اسم المحاضر لم يثر لديه أي انتباه ولم بعن له أي شيء على الإطلاق. حز في نفسي ذلك، قال الخبر بنوع من الحياد. أما أنا فبمجرد أن سقط اسم الدكتور عبد الملك مرتاض في أذني، تسارعت في رأسي مجموعة من الخواطر والتساؤلات: هل سأشاهد الدكتور عبد الملك مرتاض الكاتب الذي يكتب كتبا؟ هل سأراه؟ وهل الكاتب الذي يكتب كتبا من مئات الصفحات يُمكن أن يُرى كما يُرى الناس العاديون من العامة؟ ثم قررت أن أتسلل إلى المدينة، دون رخصة من الحارس العام، لأستعير من مكتبة الحزب كتابا من كتب الدكتور عبد الملك مرتاض. كلمح البرق قفزت من فوق سور الثانوية فوجدتني على عتبة المكتبة قابلني القيم عليها السيد آيت عبد القادر، فبادرني بالسؤال: “أي كتاب تريد، إحسان عبد القدوس أم جورجي زيدان؟” قلت: أريد كتابا للدكتور عبد الملك مرتاض.

  •   كانت هذه أول مرة أطلب فيها كتابا لكاتب جزائري يكتب بالعربية. كل ما كنت قد قرأته من قبل بعض عناوين كتابنا باللغة الفرنسية: مولود فرعون ومولود معمري ومحمد ديب ومالك حداد وآسيا جبار ومالك بن نبي وغيرهم. غاب السيد آيت عبد القادر بين الرفوف لدقيقة وعاد يحمل بين يديه كتابا للدكتور عبد الملك مرتاض. سلمني الكتاب، أخذته مرتجفا، انتابني إحساس غريب وأنا أمسك كتابا سأشاهد صاحبه غدا زوالا لحما ودما ولغة. كان عنوان الكتاب: “القصة في الأدب العربي القديم”. تصفحت الكتاب على عجل ثم أسرعت الخطى عائدا إلى المؤسسة. وما أن وصلت حتى انتحيت ركنا في قاعة من قاعات الدرس الشاغرة وبدأت قراءة الكتاب. أول ما لفت انتباهي هو تقديم الكاتب على الصفحة الرابعة من الغلاف، وما أثارني في كل هذا التقديم هو أن الكاتب من قريتي، من امسيردة، وتساءلت أيمكن لقرية ضائعة ساقطة من حسابات الجغرافيا ومنسية من التاريخ أن تُخرج كاتبا يكتب الكتب، في هذا العمر كنت أقرن، لست أدري لماذا، الكتابة بالمدن وشوارعها الضاجة، فعندي هذه هي وحدها الأماكن التي تولد كتابا، وما أثارني أيضا وأكثر في هذا التقديم هو أن الكاتب كان قد اشتغل عاملا من عملة مناجم “لاستوري” بشمال فرنسا، وهي المناجم التي اشتغل فيها والدي لبعض الوقت وكان كثيرا ما حدثنا عن جحيمها. لم أكن أتصور أن من يحمل الفأس أو المعول بيد يكون قادرا على حمل القلم باليد الثانية، وهذا أيضا من الأمور التي شدتني إلى شخصية الكاتب عبد الملك مرتاض، قرأت بعض الساعات في الكتاب لكنه لم يشدني كثيرا، ربما لأنني كنت غارقا في لذة قراءة محلقة مع عوالم جبران خليل جبران وجورجي زيدان وعبد الحليم عبد الله والمنفلوطي وفيكتور هيغو وزولا وستندال وأغاثا كريستي وغيرهم… حاولت التركيز على محتوى كتاب الدكتور عبد الملك مرتاض فلم أفلح، فلغته عالية وكلاسيكية، والنص يحيل على مراجع وقراءات تراثية لم أكن مهيئا ولا في المستوى المعرفي لفك رموزها ودلالاتها. ولكن مع ذلك أقول بأن كتاب »القصة في الأدب العربي القديم” أوصلني بعد فترة قصيرة إلى شيء مهم في علاقتي بالأدب، إذ جعلني أفتح بابا جديدا في قراءاتي، وبالتالي اتجهت إلى قراءة وحفظ المعلقات السبع، فكانت بداية مسيرة عِشقية للشعر العربي الكلاسيكي والجاهلي منه على وجه الخصوص. لم أنم تلك الليلة، فقد قضيتها في تحضير سؤال سأطرحه في اليوم التالي على الكاتب والأديب الدكتور عبد الملك مرتاض، ضيف مدينة تلمسان. أقلب السؤال في رأسي أركبه  ثم أفككه ثم أعيد تركيبه، وهكذا حتى أصبح الصباح.
  • كانت المحاضرة على الساعة الثالثة زوالا، ولأننا كنا خاضعين للنظام الداخلي، فقد اصطحبنا الحارس حتى قاعة المحاضرة وسط المدينة، كنت أسرع الخطو على رأس صف التلاميذ كي نصل في الوقت المناسب وكي أتخذ لي مكانا أستطيع منه أن أرى الكاتب بلحمه ودمه، حين وصلت القاعة التفت فإذا بجميع التلاميذ قد انسلوا من الصف وذهبوا للتجول في المدينة ليعودوا بعد نهاية المحاضرة، شعرت أن ذهابهم هذا كان بالاتفاق مع الحارس، الذي هو الآخر بمجرد أن وصلنا القاعة وسلم على القائم على المكتبة السيد آيت عبد القادر حتى انصرف، من قسم كامل يبلغ عدد تلاميذه قرابة الأربعين لم ندخل قاعة المحاضرة سوى مجموعة لا تتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة. لكني لم أهتم لذلك، جلست على كرسي في زاوية يمكنني منها أن أرى وبشكل جيد وجه الأديب عبد الملك مرتاض. كانت القاعة شبه مملوءة، فقد جاءوا أيضا بتلميذات ثانوية مليحة حميدو للبنات، تلك الثانوية التي عرفت بانضباطها تحت سلطة مدير كان متشددا هو الحارس العام السيد هدام.
  • ودخل الدكتور مرتاض، سكت الجميع، كان أنيقا، وظل على أناقته حتى اليوم، كان مبتسما بل مقهقها وظل على ابتسامته وقهقهاته حتى اليوم. شعرت بنوع من الخوف، إحساس غريب: ها أنذا أمام كاتب يكتب الكتب، ها أنذا في حضرة أديب. لكم هي كبيرة هذه الكلمة: أديب!!! نظرت إليه كان يشبه الناس الذين عرفتهم، له يدان كما للآخرين، له رأس، فم وشفتان. كان فصيحا في كلامه. يبحث عن كلمات غريبة، ربما كي يدهشنا، أو تجيئه لوحدها دون عناء. أذكر من وجهه المبتسم البشوش سنه الذهبية، تلمع في فمه كلما تبسم أو تكلم.
  • وحين انتهى من محاضرته، لم أجد الشجاعة الكافية لطرح سؤالي. وظل السؤال معلقا على لساني لسنين طويلة حتى أصبحت طالبا عنده في جامعة وهران، حيث وجدت الدكتور عبد الملك مرتاض مديرا لمعهد اللغة العربية وآدابها. خرجت من قاعة المحاضرة، وجدت زملائي الذين صرفوا وقتهم في التسكع في شوارع المدينة في انتظارنا عند الباب. كنت حزينا قليلا، ربما لم أكن أتصور أن يكون الكاتب الأديب على تلك الصورة، كنت أتصور الكتاب في شكل الأنبياء أو رسومات مايكل أنجلو المجنحة، يشبه شيئا لا يشبهه شيء… مثل جبران خليل جبران أو ميخائيل نعيمة أو…
  • حين جئت جامعة وهران، كانت سكرتيرة الدكتور عبد الملك مرتاض السيدة عمارية هي التي تكفلت بأول تسجيل لي بالجامعة، والتي أصبحت في سنوات لاحقة سكرتيرة مدير إذاعة الباهية بوهران، كانت مبتسمة وكأنها كانت تشجعني على الذهاب في هذا التخصص الأدبي الذي جئته عن طريق الصدفة، الآن أقول ربما تكون محاضرة الدكتور عبد الملك مرتاض هي التي ساهمت في التوجه الجديد الذي اتخذته في حياتي الدراسية والمهنية لاحقا، لقد كنت طالبا في تخصص الفرع الرياضي وكنت عند أساتذتي من أنجب التلاميذ في مواد الرياضيات والفيزياء والكيمياء، صحيح لم أكن محبا لمادة العلوم الحية فقد كنت أكره تشريح الفئران والضفادع والأرانب ورؤية القمل والبعوض و لدم وما إلى ذلك، أشعر الآن وكأن محاضرة الدكتور عبد الملك مرتاض هي التي سحبتني وبشكل سحري غامض إلى الدراسات الأدبية. فمرتاض هو الذي، ربما دون أن يعلم، قد ورط ذاك الشاب المراهق الذي كنته في الذهاب في مسار الدراسات الأدبية والكتابة الإبداعية.
  • في الجامعة، وفي السنة الأولى وإذ وجدت الدكتور عبد الملك مرتاض أطال الله في عمره، بكل حيويته وسنه الذهبية ونشاطه وشبابه وقهقهاته، كان أول ما اقترحته عليه، كان ذلك في شهر أكتوبر، هو تنظيم نشاط ثقافي احتفالا بذكرى رحيل عميد الأدب العربي طه حسين، قبل الدكتور مرتاض الفكرة على مضض، ولكني سمعته بأم أذني يقول صراحة وبصوت عال: لا يوجد عميد للأدب العربي، الأدب العربي ليس مملكة مصرية، منها الأمراء والعمداء، وإذ صدمت بهذا الذي سمعت، تساءلت بين نفسي ونفسي: أليس على حق، هذا الكاتب؟
  •  وسكت.
  • ولكن للدكتور عبد الملك مرتاض خرجاته الخاصة، والتي فيها كثير من الاعتداد بالنفس، وفيها نزق الكاتب المبدع، فمرة وأنا طالب في السنة الثانية جامعي، جاءتنا السيدة ليلى التي أصبحت مديرة الإنتاج بالتلفزيون لاحقا، جاءت إلى وهران لتسجيل حلقة من حصتها المتميزة التي كانت تقدمها للتلفزة الجزائرية بعنوان: رصد وماية، وقد دعت للحديث في ذاك العدد الدكتور عبد الملك مرتاض الكاتب الذي ألف كثيرا من الكتب في الأدب الشعبي، وقدمت لنا: الروائي الحبيب السائح وأنا، دعوة للمشاركة في تلك الندوة التلفزيونية. أذكر أنني جئت رفقة الحبيب السائح من الجامعة إلى محطة وهران، وإذ نحن ندخل المصعد وجدنا أنفسنا وجها لوجه مع السيدة ليلى، عرًفت بنفسي وكذا فعل الحبيب السائح، وحين وصلنا الأستوديو وجدنا الدكتور مرتاض هو الآخر مدعوا للحصة، وإذ لمحنا تغيرت ملامح وجهه وبدا عليه الغضب، وقبل أن ندخل إلى الأستوديو، كل شيء تغير، فقد رفض الدكتور عبد الملك مرتاض أن يسجل حصة تلفزيونية برفقتنا، نحن الذراري، وأصر على أن نطرد من الأستوديو، وفورا، وهو ما أحرج مدير المحطة السيد أمير عبد المجيد، وبالفعل تم تسجيل الحصة بدوننا. وأذكر أنني، ردا على هذا التصرف الذي »مرمدنا« فيه!!!! كتبت مقالا ضد الدكتور عبد الملك مرتاض الذي حرمنا من المشاركة في هذه الحصة، ولكني أقول لأستاذي الدكتور عبد الملك مرتاض بعد أن مضت سنون على هذا الحادث الذي دون شك أحرج كثيرا السيدة الرقيقة ليلى، أقول له: إني اتفق معك تماما، فعلى الثقافة أن تحترم الأصول وتحترم الأولويات وتضع كل واحد في مكانه، وأن لا نخلط الحابل بالنابل، فلقد كنت أكبر منا بكثير.
  • الآن وأنا أنتبه وأنظر إلى الزمن الذي مضى، والحاضر الذي يزحف مريضا، أقولها وبكل وضوح، قد لا يعجب هذا القول بعضهم: لقد ظلمت الجزائر الدكتور عبد الملك مرتاض، فهذا الأستاذ والباحث والأديب الروائي يستحق أن تضعه بلاده في مراتب عالية جدا. ولكن!!!
  • يتبع
  •  [email protected]                                                                                                                                 
أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!