-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
"الشروق" تكشف تفاصيل جديدة في قضية 1013 مستورد:

شركات وهمية ومقاهي إنترنت تتلاعب بملفات الاستيراد!

إيمان كيموش
  • 631
  • 0
شركات وهمية ومقاهي إنترنت تتلاعب بملفات الاستيراد!
ح.م
تعبيرية

التحريات تشمل من يقف وراء نسخ الوثائق وتحميلها وإيداع الطلبات
التطابقات الرقمية لا تعني الإدانة والوثائق الأصلية والمعاينة تحسم الملف
الاستيراد مستمر والوزارة تميّز بين المتعامل الحقيقي والملفات المشبوهة

تتجه التحقيقات في ملفات الاستيراد المشبوهة الخاصة بـ1013 متعامل اقتصادي، كشفت عنهم وزارة التجارة الخارجية وترقية الصادرات في بيانها الأخير، إلى التدقيق في الأشخاص والجهات التي تولت إعداد الملفات وإدخال بياناتها وإيداعها عبر المنصة الرقمية، خاصة مع استعانة أصحاب مؤسسات بمقاهي الإنترنت ومحلات الخدمات الإلكترونية لإنجاز هذه الإجراءات، ومع ظهور وثائق متطابقة في ملفات متعاملين مختلفين، تطرح التحقيقات أسئلة حول من أعدّ هذه الملفات فعليا؟ ومن أدخل المعلومات وحمّل الوثائق وأودع الطلبات؟ وهل كان أصحاب المؤسسات على علم بكل ما أدرج بأسمائهم؟
وتأتي هذه التطورات بعد أن قادت عملية التدقيق الرقمي التي باشرتها وزارة التجارة الخارجية وترقية الصادرات إلى معاينات ميدانية كشفت، إلى غاية اليوم، وجود شركات وهمية في بعض الحالات التي تم التحقق منها، فيما لا تزال ملفات أخرى محل تحقيق، بينها شركات تحصلت على تأشيرة البرنامج التقديري للاستيراد.
ولا يتعلق الأمر باتهام مقاهي الإنترنت أو محلات الخدمات الإلكترونية، فاستعانة المتعامل بهذه الخدمات لإنجاز إجراءاته أمر عادي، وإنما يتعلق الأمر بتتبع مسار الملف عندما تكشف المنصة تطابقات لا يمكن تجاهلها، ومعرفة ما إذا كانت الملفات قد أعدّت بشكل مستقل، أم أن شخصا أو جهة واحدة ساهمت في إعداد عدد كبير منها.
وكانت مصالح وزارة التجارة الخارجية قد رصدت، بواسطة المنصة الرقمية المدعمة بتقنيات الذكاء الاصطناعي، تطابقات في ملفات 1013 متعاملا اقتصاديا ضمن برنامج الاستيراد للسداسي الثاني من سنة 2026، وشملت العملية وثائق إدارية وجبائية ومحاسبية يفترض أن تكون مرتبطة بكل مؤسسة على حدة.
وأظهرت عملية التدقيق أن 278 متعامل أودعوا نفس وثيقة التصريح بالعمال لدى “كناس”، و277 متعامل بنفس وثيقة “كاسنوس”، فيما استعمل 240 متعامل نفس مستخرج من الجدول الضريبي، وظهرت نفس الميزانية المحاسبية لدى 60 متعاملا، كما سجل تطابق في رقم التعريف الجبائي “نيف” لدى 56 متعاملا.
وامتدت التطابقات إلى وثائق الوكالة الجزائرية لترقية الاستثمار، حيث ظهر 38 متعاملا بنفس قائمة السلع المؤهلة، و25 متعاملا بنفس شهادة التسجيل، كما سجلت مصالح الرقابة تطابقا في 25 كشف هوية بنكية و14 ملفا يخص الوثائق المتعلقة بالبرامج التكميلية.

الاستعانة بمقاهي الإنترنت والخدمات الإلكترونية إجراء عادي في أصله
ولا تعني هذه الأرقام، في حد ذاتها، ثبوت التحايل أو المخالفة، لكنها شكلت مؤشرات دفعت المصالح المختصة إلى طلب الوثائق الأصلية والتأكد من صحتها، قبل الانتقال في بعض الحالات إلى المعاينة الميدانية.
وهنا ظهرت مفاجأة أخرى، بعدما لم تقتصر عملية المطابقة على الوثائق، بل امتدت إلى المواقع الجغرافية التي صرح بها المتعاملون بشأن وحداتهم الإنتاجية، حيث كشفت المنصة عن تسجيل 581 متعاملا اقتصاديا للموقع الجغرافي نفسه باستعمال نظام تحديد المواقع “جي بي آس”، كما ظهرت مواقع مصرح بها داخل تجمعات سكنية وعمارات، وحالات أخرى سجل فيها المتعاملون مواقع داخل مقرات أو وحدات إنتاجية تابعة لشركات أخرى، من دون أن تظهر في المعطيات المقدمة علاقة قانونية واضحة تبرر وجود تلك المؤسسات في نفس المكان.
لكن الحالة التي لفتت الانتباه أكثر كانت تسجيل 47 متعاملا اقتصاديا للموقع الجغرافي نفسه داخل مجمع سكني بإحدى عمارات حي “عدل” ببلدية أولاد فايت، هذه المعطيات لم تبق مجرد أرقام على شاشة المنصة، بعدما انتقلت مصالح الوزارة إلى الميدان للتحقق من العناوين والمواقع المصرح بها، وكانت النتائج كافية لفتح مسار جديد في التحقيق، إذ كشفت المعاينات المنجزة إلى غاية اليوم وجود شركات وهمية ضمن بعض الحالات التي تم التحقق منها.
وبذلك، انتقل الملف من مجرد تطابقات في وثائق إدارية وجبائية ومحاسبية إلى التحقق من وجود المؤسسات نفسها، ومقراتها، ونشاطاتها، ووحداتها الإنتاجية التي يفترض أن تستعمل المواد الأولية أو التجهيزات المراد استيرادها.
وتتواصل التحقيقات في ملفات أخرى، بما فيها ملفات متعاملين تحصلوا على تأشيرة البرنامج التقديري للاستيراد، وهو ما يعني أن الاستفادة من التأشيرة لا تمنع مواصلة التدقيق عندما تظهر لاحقا مؤشرات تستوجب التحقق، وفي ظل هذه التطورات، يعود مسار إعداد الملف إلى الواجهة، فإذا كان صاحب المؤسسة قد استعان بمحل خدمات إلكترونية أو مقهى إنترنت لإدخال بياناته وإيداع طلبه، فمن قام بإدخال المعلومات فعليا؟ ومن حمّل الوثائق؟ ومن أرسل الطلب؟ وهل استعان نفس الشخص أو المحل بإعداد ملفات لعدة متعاملين؟
والسؤال الأهم الذي يمكن أن تجيب عنه التحقيقات هو ما إذا كان أصحاب بعض المؤسسات يعرفون فعلا كل البيانات والوثائق التي أدرجت في ملفاتهم، خصوصا عندما تظهر وثائق يفترض أنها خاصة بمؤسسة واحدة داخل ملفات متعاملين آخرين.
فالتطابق في وثيقة التصريح بالعمال أو وثيقة “كاسنوس” أو مستخرج من الجدول الضريبي أو الميزانية المحاسبية قد يكون في بعض الحالات مؤشرا يستوجب التفسير، لكنه لا يكفي وحده لإدانة صاحبه ولذلك انتقلت المصالح المختصة إلى الوثائق الأصلية ثم إلى المعاينة الميدانية للتأكد من حقيقة كل ملف.
والأمر نفسه بالنسبة للمواقع الجغرافية، إذ أن تسجيل 581 متعامل في موقع واحد لا يعني تلقائيا وجود مخالفة، لكن تسجيل 47 متعاملا في موقع واحد داخل عمارة سكنية يفرض التحقق من حقيقة النشاط والعنوان، وهو ما أفضى في بعض الحالات التي عاينتها الفرق ميدانيا إلى كشف شركات وهمية.
وتكشف هذه العملية أن الرقمنة بدأت تغير طريقة مراقبة ملفات الاستيراد، بعدما أصبح بالإمكان مقارنة عدد كبير من الملفات في وقت واحد، ورصد الوثائق المتطابقة والمواقع المتشابهة، ثم توجيه فرق الرقابة إلى الحالات التي تستوجب التحقق على الأرض.
وهذا ما يفسّر انتقال التحقيقات الآن إلى مرحلة أخرى، لا تركّز فقط على الشركة التي ظهر اسمها في الملف، وإنما على الملف منذ بدايته ومن أعدّه، ومن أدخل بياناته، ومن حمّل وثائقه، ومن أودعه، وهل تمت كل هذه الإجراءات بعلم صاحب المؤسسة أم أن هناك من تولى القيام بها نيابة عنه؟
ولا تعني المعطيات التي ظهرت إلى غاية اليوم أن جميع المتعاملين الذين شملتهم عملية المطابقة ارتكبوا مخالفات، كما أن التطابق وحده لا يكفي لإثبات التحايل، إذ تبقى الوثائق الأصلية ونتائج التحقيق والمعاينة الميدانية هي الفيصل في تحديد حقيقة كل حالة، لكن المؤكد أن عملية التدقيق تجاوزت مرحلة اكتشاف الأرقام المتشابهة على المنصة، بعدما قادت هذه المؤشرات إلى الميدان، حيث بدأت تظهر عناوين سكنية، ومواقع تابعة لمؤسسات أخرى، وفي بعض الحالات شركات وهمية، فيما تتجه التحقيقات الآن إلى كشف المسار الكامل لهذه الملفات، من مقهى الإنترنت أو محل الخدمات الذي قد يكون أعدها، إلى المؤسسة التي أودعتها، وصولا إلى حقيقة النشاط الموجود على الأرض.

الهدف حماية حصص الاستيراد وضمان وصولها إلى أصحاب الحاجة
ولا تعني هذه الإجراءات أن وزارة التجارة الخارجية تحارب الاستيراد أو تضيق على المتعاملين الحقيقيين، وإنما تستهدف الملفات التي لا تعكس نشاطا اقتصاديا فعليا أو التي تظهر بشأنها مؤشرات تستوجب التحقيق، خاصة أن برامج الاستيراد موجهة أصلا لتلبية احتياجات المؤسسات من المواد الأولية والتجهيزات الضرورية لنشاطها.
وتصب عملية غربلة الملفات، حسب مصادرنا، في مصلحة المتعاملين الحقيقيين قبل غيرهم، لأن إبعاد الملفات الوهمية والمشبوهة يضمن توجيه برامج الاستيراد إلى المؤسسات التي تملك نشاطا فعليا وتحتاج فعلا إلى المواد والتجهيزات المصرح بها، كما يحافظ على تكافؤ الفرص بين المؤسسات ويمنع استفادة شركات غير حقيقية من حصص موجهة للمتعاملين النشطين.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!