شعوذة وتمائم لعلاج أورام خبيثة
التاريخ يعيد نفسه في الثورات، والذي لا يقرأ التاريخ قد يفقد جغرافيته المتكونة من كراس وعروش، فما يحدث في الوطن العربي من عواصف التغيير حدث منذ عقود في غرب القارة العجوز وفي أمريكا الجنوبية والوسطى وانتهاء بالمعسكر الشرقي.. وليس ضروريا أن تسقط الأرواح وتتوقف الحياة بالاعتصامات والإضرابات والعصيان المدني حتى تكتمل صورة الثورة، فكما سقطت أرواح في نيكاراغوا والسلفادور من أجل التغيير غيّر الهندوراسيون مسارهم الخاطئ بطرق سلمية، وكما زلزل الرومانيون نظامهم بإعدام زعيم الديكتاتورية، تمكّن المجريون من المرور إلى حرياتهم من دون ضحايا، وكما سقطت الأرواح في تونس وفي مصر وفي اليمن وفي ليبيا، فإن بقية الأنظمة مدعوة لأن تثور هي على نفسها قبل أن يتفرج العالم على صور زعمائها وهم في طابور كوميدي قد لا يمنحهم حتى فرصة إضحاك العالم عليهم وهم يقولون لشعوبهم “راني فهمتكم وزنقة زنقة ويا جرذان”.. وكما قلنا مرارا وعن قناعة أن دولا كثيرة استفادت من ثورتنا التحريرية فحصلت على حريتها من دون تضحيات نأمل أن نستفيد نحن هذه المرة من ثورات بقية الدول لنحصل على التغيير الذي صار مطلبا شعبيا وسلطويا حاسما لأجل العودة إلى حياة نستنشق فيها هواء نظيفا يليق بتاريخنا وجغرافيتنا بعيدا عن الفساد والفوضى التي أثقلت كاهلنا إن بقي لنا كاهل، وجعلت كل قطاعاتنا تعاني من ورم خبيث إن بقيت فيها أصلا روح.
في عالم الطب قد لا يُكشف للمريض إصابته الخطيرة، ولكن علاجه يتم في العلن، أما في الحالة الجزائرية الصعبة فكلنا نعرف الألم وتبقى محاولات العلاج وتحضير الدواء في السر والكتمان، وتحرك السلطة يتم بعيدا عن إدراك المعني الأساسي والوحيد بالتغيير وهو الشعب، فأخبار إعلامية تتحدث عن حل وشيك للبرلمان الذي هو صراحة أشبه بخيمة السيرك في ظاهره وفي حقيقته يختلف بكونه يمنح الأموال للمتفرجين وليس لمقدمي العرض، وأخبار إعلامية تقول أن الرئيس أوكل لأويحيى وبلخادم وبسايح وغيرهم مهمة رسم خارطة طريق التغيير وكلهم من بيادق نظام تمكن بإتقان مذهل من اقتلاع شهية الحياة من قلوب المواطنين وقدّم على مدار عقود نماذج من رؤساء أحزاب ومديرين تنفيذيين ومجالس بلدية وبرلمانية ووزراء كوكتيل من الأمية واللامبالاة والدروشة واحتراف النهب، وأخبار أخرى تحدثت عن فتح أرشيف رجالات محترمين أصغرهم سنا في الخامسة والثمانين من العمر من الذين قادوا الجزائر في القرن الماضي لأجل معالجة أورام ساهموا للأسف – على الأقل بصمتهم – في غرسها في أبدان شباب تائه فضّل أن يكون وجبة لحيتان البحر الأبيض المتوسط على أن يكون وجبة لحيتان بشرية تسبح في محيط من البترول أممّت ريعه حسب هواها ومنحت خلاصته من بنزين لشباب يائس قد يُشعله في بدنه أو في أي مؤسسة ترفض توظيفه.
منذ خمسين عاما والقرارات تُطبخ بعيدا عن الشعب الذي لا يتذكروه إلا في الحمامات الانتخابية البشرية ليسجلوا بأنامله وبصوره التلفزية أرقام مشاركته الانتخابية البلدية والبرلمانية والرئاسية التي تناطح السحاب، ومنذ خمسين عاما والشعب يهضم الطبخة ولا يبتلعها، لأنه لا يعلم توابلها ولا حتى طباخها، والآن على مشارف الحوار الوطني من أجل التغيير، بل وفي خضمّه مازال الشعب المعني الأول بالطبخة من شاب جامعي وبطال يائس وفلاح حالم وعالم مغترب في أقصى الدنيا وامرأة مقهورة بعيدا عن مطبخ الحلول وآخر من يعلم… وربما لن يعلم أبدا.