“شهادة الجنون” بـ4000 دج لسرقة الميراث وتفادي السجن
تشير أرقام مصالح الطب العقلي، إلى استقبال ما يقارب 600 شخص سنويا تم إحالتهم من طرف جهات قضائية للتأكد من سلامتهم العقلية، نسبة 60 بالمائة منهم يمتلكون شهادات طبية مزورة أو تحصلوا عليها عن طريق رشوة لمختصين في الطب العقلي اغلبهم غير محلفين لدى المحاكم، بالمقابل فإن 50 بالمائة من شهادات الخبرة العقلية المتعلقة بمتورطين في قضايا مختلفة والمحجور عليهم أو المتعلقة بقضايا الميراث والطلاق، يتم تسليمها في إطار مجاملة ومقابل رشاوى قد تصل إلى 500 مليون حسب ما أكده للشروق فاروق قسنطيني.
كشف البروفسور محمد تجيزة رئيس مصلحة الأمراض العقلية بمستشفى دريد حسين بالعاصمة، للشروق، عن تسجيل ما يقارب 350 متهم خلال السداسي الأخير لـ2016، بينهم حوالي 18امرأة، للتأكد من سلامتهم العقلية قبل محاكمتهم في العاصمة، وقال تجيزة أن 80 بالمائة منهم ادعوا الجنون سواء بحركات بهلوانية أو عن طريق شهادات طبية مزورة أو منحت لهم بالمجاملة مقابل رشاوى. وان مصالح الطب العقلي للمستشفيات العمومية تسجل سنويا 600 شهادة لأشخاص محالين من جهات قضائية.
شهادة السلامة العقلية بـ4000 دج
وحسب البروفسور محمد تجيزة، فإن شهادات الخبرة العقلية، تمنح في الغالب للمتهمين في قضايا قتل وإرهاب، وضرب وجرح واعتداءات بالسلاح وقضايا النصب والاحتيال، والتزوير والاستعمال المزور والاختلاسات، وان 30 بالمائة من هؤلاء مصابون بأمراض نفسية معقدة وليس جنونا تاما.
وقال إن الأطباء المحلفين لدى المحاكم، يحددون سعر الشهادة حسب الحالة ودرجة الجنون والتقنيات والمراحل المتخذة لتشخيص المرض، وتتراوح اسعارها بين 4000دج و600دج.
وقال إن مدعي الجنون يخضعون لتجارب تكون عن مراقبة عادية خلال فترة البقاء في المصحة او عن طريق كاميرات أو رصد تصرفاتهم المفاجئة بعد إحداث أمر طارئ من طرف الأطباء ولاختبار الذكاء والمهارات والقدرة المعرفية والسلوكيات وتقييم العوامل الشخصية، وهي عملية فحص معقدة، خاصة المتعلقة بقضايا الحجر وقضايا الميراث، والتي باتت منتشرة مؤخرا، حيث يلعب الطبيب النفسي دورا في تحديد العلامات الأولية، مضيفا أن في المستشفيات العمومية هناك لجنة كاملة مكونة من عدة أطباء أكفاء يعطي كل واحد تقريرا مفصلا عن الحالة.
الخبرة المضادة تفضح المستور
أكد الأستاذ إبراهيم بهلولي، أن عشرات الشكاوى يتم إيداعها أمام الفرع المدني لطلب الخبرة المضادة لشهادات الطب العقلي المدرجة في الملفات القضائية، أين يتم كشف المستور، فإن اغلب الشهادات المزورة او المزيفة في الغالب تتعلق بالميراث أو الانتقام من المطلقة أو الحجر على أشخاص أثرياء. وقال إن اغلب مستغلي هذه الشهادات يتابعون أمام قاضي الجنح بالتزوير والاستعمال المزور.
ارتفاع الجرائم وتعقدها يضع “شهادات الخبرة العقلية” في الميزان
وأضاف محدثنا، أن الكثير من الإطارات المتهمين في قضايا فساد، يدعون الجنون أو إصابتهم بأمراض نفسية معقدة، ويفضلون اللجوء لذلك لتخفيض العقوبة ضدهم، والاستمتاع بما نهبوا من أموال، خاصة بعد سفرهم للخارج، وأن ادعاء الجنون حلم يراود كل متورط في جرائم خطيرة كالقتل والإرهاب، وبمعاناة المجتمع حسبه من الجريمة، ارتفع عدد قضايا الطعن في شهادات الطب العقلي، والتي باتت أكثر تعقيدا وتحتاج لعدد اكبر من أطباء أكفاء محلفين من طرف المحاكم.
وهو ما يطالب به، الأستاذ فاروق قسنطيني، رئيس اللجنة الاستشارية لترقية وحماية حقوق الإنسان، حيث أكد أن الشهادات الطبية الخاصة بالسلامة العقلية، باتت تصدر من أطباء محلفين لدى المحاكم للمجاملة مقابل رشوة تتجاوز الـ500 مليون أحيانا لاسيما في القضايا المتعلقة بالإرث والحجر على أشخاص أصحاء، وان مثل هذه القضايا الصعبة والتي يسيطر عليها الجشع والطمع، مشيرا إلى أن 50 بالمائة من شهادات الطب العقلي المودعة في الملفات القضائية مزيفة رغم صدورها من مختصين محلفين.
وأعطى مثالا لقضية مطروحة أمام مجلس قضاء البليدة تتعلق بمستثمر يبلغ من العمر 75 سنة، يرى قسنطيني أن شخصيته وإدارته لمشاريع مهمة بينها مشروع محطة بنزين على مستوى طريق بئر توتة ومدينة بوفاريك بالبليدة، تؤكد سلامته العقلية، في حين أن أبناء زوجته المتوفية، أودعوا لدى الجهات القضائية شهادات طبية يتهمونه عن طريقها، بالجنون منذ فترة طويلة، حيث تم الطعن في هذه الشهادات وخاصة المتعلقة بخبرة عقلية لطبيب محلف، في انتظار النتائج مع الإشارة أن لديه 14 ابنا.
شهادات طبية تثبت أن المجنون عاقل.. والسبب الإرث!
وقضية أخرى، كشف عنها المحامي إبراهيم بهلولي، أستاذ بكلية الحقوق ببن عكنون، تتعلق بشاب في الـ35 سنة، مريض عقلي 100 بالمائة، يملك نصيبا مهما من إرث العائلة ويتكفل به أحد إخوته، وهو الشيء الذي لم يرض بقية الإخوة. قال الأستاذ بهلولي، أنهم قصدوا طبيبا في الأمراض العقلية بالشراقة محلفا لدى المحاكم وتحصلوا بالمجاملة على شهادة تقر بسلامته العقلية، وطرحت أمام محكمة بئر مراد رايس لإثبات أن أخيهم يمكنه إدارة ممتلكاته الخاصة، وبعد الطعن في الخبرة العقلية تتواجد القضية امام مجلس قضاء الجزائر، حيث تم متابعة الطبيب والتحقيق معه.
ويرى الأستاذ، إبراهيم بهلولي، أن الغش في شهادات الطب العقلي تتم عن طريق المجاملة ومقابل رشوة خاصة في مسائل الحجر والميراث، وقلّما نجدها في قضايا الطلاق.