صادرات الأسمدة… فرصة أخرى للجزائر جرّاء الوضع العالمي
بالإضافة للنفط والغاز اللذين التهبت أسعارهما في الأسواق الدولية، تلوح أمام الجزائر فرصة تعزيز صادراتها خارج المحروقات ضمن التداعيات المباشرة للحرب الدائرة في الشرق الأوسط، وهذه المرة من خلال الأسمدة الآزوتية والمخصبات وخصوصا مادتي اليوريا والأمونياك والتي صعدت أسعارها هي الأخرى بشكل لافت.
وعلى سبيل المثال، تشير بيانات الأسواق الدولية للأسمدة والمخصبات الزراعية لمنطقة الشرق الأوسط ليوم 13 مارس 2026، أن واحد طن من اليوريا قد بلغ 655 دولار، في حين كان ثمنها نهاية فيفري (يوم 27 فيفري) يقدر بـ484 دولار لكل واحد طن، أي أن أسعارها حققت قفزة بـ171 دولارا في غضون أسبوعين فقط.
وكما هو معلوم، فإن إنتاج الأسمدة والمخصبات الزراعية يعتمد بشكل أساسي على الغاز الطبيعي، ومع شح الإمدادات الغازية التي تعبر مضيق هرمز وأيضا ارتفاع أسعار هذا المصدر الطاقوي الحيوي قفزت معه أسعار الأسمدة، يضاف لها تعطل شحنات الأسمدة القادمة من منطقة الخليج العربي.
في هذا السياق، يرى نائب رئيس الجمعية الوطنية للمصدرين الجزائريين، علي باي ناصري، في تصريح لـ”الشروق”، أن التوترات المرتبطة بمضيق هرمز سيكون لها تأثير مباشر وقوي على ما يعرف بالجيوسياسة والجيو-اقتصاد العالميين، خصوصا في مجال الطاقة، بالنظر إلى أن معظم دول الخليج، مثل قطر والإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، تعتمد على هذا المضيق الاستراتيجي لتصدير النفط والغاز إلى الأسواق الدولية.
وأشار المتحدث إلى أن أي اضطراب في حركة الملاحة عبر هذا الممر الحيوي ينعكس مباشرة على الأسواق الطاقوية العالمية، موضحا أن أسعار الغاز مرشحة للارتفاع في الصادرات، حتى وإن كانت معظم عقوده مبنية على اتفاقيات طويلة الأجل، كما أن أسعار النفط بدورها ستتأثر نتيجة اضطراب سلاسل الإمداد العالمية، فضلا عن أن الهجمات التي تستهدف المصافي يمكن أن تؤدي إلى ارتفاع عام في أسعار المنتجات الطاقوية على مستوى العالم.
وأوضح باي ناصري أن هذا الوضع يفتح في المقابل فرصة مهمة أمام الجزائر في مجال تصدير الأسمدة، مشيرا إلى أن هذه المنتجات تمثل ما بين 40 و50 بالمائة من إجمالي الصادرات الجزائرية خارج المحروقات، حيث تتراوح قيمتها عادة بين 2 و3 مليارات دولار سنويا، فيما بلغت سنة 2022 حوالي 3.2 مليار دولار.
ولفت المتحدث إلى أن الجزائر تصدر أساسا ثلاثة أنواع رئيسية من المخصبات الزراعية، وهي الأمونياك واليوريا ونترات الأمونيوم، مؤكدا أن هذه المنتجات تعتمد في تركيبتها بنسبة تقارب 80 بالمائة على الغاز الطبيعي، وهو ما يعني أن ارتفاع أسعار الغاز سينعكس تلقائيا على أسعار الأسمدة في الأسواق الدولية، الأمر الذي قد يصب في صالح الصادرات الجزائرية.
كما شدد على أن الاضطرابات التي تشهدها سلاسل الإمداد العالمية قد تؤدي إلى تسجيل تأخيرات في عمليات التسليم التي كانت مبرمجة من قبل، خاصة نحو الأسواق الأوروبية، وهي الوجهة الرئيسية للأسمدة الجزائرية، مبرزا أن نحو 80 بالمائة من صادرات اليوريا الجزائرية تتجه نحو أوروبا، ولاسيما إسبانيا.
وأكد في السياق ذاته، أن هذه المعطيات قد تمنح الجزائر أفضلية تنافسية بفضل قربها الجغرافي من السوق الأوروبية، ما يسمح لها بالاستجابة بسرعة أكبر للطلبات في حال حدوث نقص أو تأخر في الإمدادات القادمة من مناطق أخرى من العالم.
وعلق بالقول “هذا الأمر سيكون في صالحنا”.
وأوضح الخبير بمجال التصدير أن هذه الظرفية قد تسمح بارتفاع ملحوظ في الصادرات الجزائرية خارج المحروقات خلال الفترة المقبلة، خاصة مع نهاية السداسي الأول وربما مع بداية السداسي الثاني من السنة الجارية، مشيرا إلى أن استعادة سلاسل الإمداد العالمية لتوازنها قد يستغرق بعض الوقت.
ويرى باي ناصري أن هذه التطورات تشكل فرصة حقيقية للجزائر لتعزيز صادراتها خارج قطاع المحروقات، وهي الصادرات التي لا تزال تسجل نموا بوتيرة بطيئة نسبيا رغم الجهود المبذولة في هذا المجال.
وفي هذا الإطار أوضح باي ناصري أن الصادرات الجزائرية خارج المحروقات لسنة 2025 قدرت، حسب المعطيات المتوفرة، بما يتراوح بين 4.5 و5 مليارات دولار، في انتظار الأرقام الرسمية لبنك الجزائر، وهو ما يعكس مرحلة من الاستقرار بعد الذروة التي بلغت قرابة 7 مليارات دولار سنة 2022.
وأشار إلى أن تلك القفزة التي سجلت في 2022 كانت مرتبطة أساسا بارتفاع أسعار الطاقة، لافتا إلى أنه في حال استمرار الظروف الحالية قد تسجل الصادرات خارج المحروقات منحى تصاعديا مماثلا خلال سنة 2026، حيث يمكن أن تقترب مجددا من مستوى 7 مليارات دولار، أي بزيادة تقارب 20 بالمائة مقارنة بسنة 2025.
كما تطرق المتحدث إلى الجهود المؤسساتية الرامية إلى دفع الصادرات خارج المحروقات، حيث اشار إلى إنشاء هيئات جديدة وإلى الدفع الذي أعطاه رئيس الجمهورية لهذا الملف، إضافة إلى إعادة تنشيط المجلس الوطني الأعلى للتصدير.
غير أنه شدد في المقابل على أن هذا المجلس لم يحقق بعد كل النتائج المرجوة منه، معتبرا أن المرحلة الحالية تتطلب عقد اجتماع عاجل له من أجل إعداد مخططات تصدير قطاعية واضحة، يتم من خلالها تحديد أهداف وبرامج التصدير لكل قطاع على حدة.
وأكد علي باي ناصري في ختام تصريحه أن إعداد برنامج وطني واضح للصادرات خارج المحروقات لسنة 2026 من شأنه أن يعطي دفعة جديدة لهذا المسار ويعزز مكانة المنتجات الجزائرية في الأسواق الخارجية.