صدمة أخرى!!
عندما اطلعتُ – مثل غيري – على نتائج الدراسة الحديثة التي شملت إطارات الجزائر من الشباب الجامعي، وكشفت عن رغبة 82٪ منهم في الهجرة بعد الانتهاء من دراستهم بحثا عن فرص عمل وحياة أفضل.. تبادرت إلى ذهني جملة من التساؤلات والاستنتاجات حول أسباب هذا التوجه العام والضخم لجيل لم ينه دراسته ولم يسبق له دخول عالم الشغل، ولا يدري كم هي قاسية ومرة هجرة الوطن والغربة بعيدا عن الأهل والأحباب.. جيل يدرك مسبقا أن حظوظه في الحصول على فرصته داخل الوطن ضئيلة في وقت لا يزال فيه المتقاعدون يشغلون المناصب ويقررون مصير الوطن، ولا يزال المغامرون يترددون في إحداث التغييرات وتجسيد الإصلاحات والذهاب إلى جمهورية ثانية نقدس فيها العلم والعمل والمؤسسات، وليس الأشخاص والزعامات..
- أتفهم جيدا تطلعات شبابنا إلى مستقبل أفضل، ولا ألوم كل من يفكر في الهجرة مهما كان مستواه، كما لا ألقي باللائمة على الوطن لأن الراغبين في الهجرة لا يقصدون الهروب منه أو بسببه، بل بسبب ممارسات أناس أثبتوا فشلهم ولا يزالون في مناصبهم، ومنظومة سياسية واقتصادية واجتماعية ورياضية تجاوزها الزمن، وبسبب الخوف من مستقبل وآفاق لم تتحدد معالمها، ومناصب شغل يصعب الحصول عليها، ورواتب هزيلة وسوء تقدير وقلة احترام، وكذلك بسبب تذمر شامل من أوضاع لم تتغير رغم قدرات البلد وخيراته وإمكانياته التي لا نجدها في بلدان كثيرة، ورغم الوعود بإصلاح الأوضاع ولكن دون تجسيد، ورغم إخلاص الكثير من الرجال والمؤسسات ووعيهم بحاجة الوطن إلى نفس جديد.
82٪ نسبة مذهلة، خاصة عندما يتعلق الأمر ببلد بحجم الجزائر، وعدد الطلبات التي تصل الجزيرة بكل قنواتها من الجزائر مثلا هو الأكبر في البلاد العربية من كفاءات في مجالات الإعلام والاتصال والتقنيات الحديثة، في حين كان المفترض أن يؤدي عرض قانون الإعلام الجديد إلى عودة الكفاءات أو استقرارها على الأقل، وأن يؤدي طرح دفتر شروط إنشاء القنوات الإذاعية والتلفزية الخاصة إلى التقليل من رغبة أهل المهنة في الهجرة إلى قنوات أجنبية، ولكن انعدام الثقة وعدم وضوح الرؤية والتردد الحاصل عندنا لايزال سمة الإصلاح المعلن في القطاع، وشبكة الأجور الموعودة في بداية السنة والخاصة برجال الإعلام ستزيد الهوة بين أبناء المهنة وبين مختلف وسائل الإعلام، كما أن قانون الإعلام المعروض على نواب البرلمان لا يلبي متطلبات المرحلة.
في الرياضة كما في الإعلام، الكل يريد الهروب، ليس من أجل الاحتراف ولا من أجل لقمة العيش أو الشهرة والمال، ولكن بحثا عن الاعتبار والاحترام وظروف العمل المناسبة لتحقيق الذات وتجسيد الطموحات بعيدا عن نواد تتخبط في مشاكل التمويل، ومنتخبات تعاني الإهمال، ومرافق رياضية أكل عليها الدهر وشرب، وسياسة رياضة تغرس التفرقة والحقد والحسد عوض الحب والأمل والطموح، في بلد يملك كل المقومات البشرية والمادية ولكننا نعجز فيه عن تبرير هذا الإصرار على الهجرة لدى أبنائنا عند أول فرصة وحتى قبل الانتهاء من الدراسة الجامعية، ونعجز فيه عن الحفاظ على الكفاءات وكأنها خطة مقصودة لتهجيرهم كلهم.
وإذا تطرقنا إلى قطاعات أخرى اقتصادية وثقافية واجتماعية مثل سوناطراك والخطوط الجوية والمستشفيات والجامعات فإن الأمر لا يختلف تماما، والهرب من الوضع الحالي إلى رحاب آفاق أخرى نعتقد بأنها الأفضل هو طموح خيرة أبنائنا الذين تفتقد إلى أمثالهم دول وحكومات وأمم وشعوب، ولا تكلفهم سوى راتب محترم وتقدير واحترام وحياة آمنة مطمئنة!!
أما بلغة الأرقام فإن الجزائر صرفت ملايير الدولارات منذ الاستقلال واستثمرت في ملايين الشباب، ولاتزال تستثمر في نحو ثمانية ملايين تلميذ وطالب وباحث، ولكن ستة ملايين منهم يريدون الهجرة بعد الانتهاء من دراستهم، دون الحديث عن آلاف العاطلين عن العمل الذين يحلمون “بالحرقة”، ودون الحديث عن ملايين المهاجرين عبر التاريخ الذين يصنعون أمجاد أمم وبلدان أخرى، وهو أمر محير فعلا ويثير التساؤلات وعلامات الاستفهام حول هذا التفكير والتوجه بهذا الحجم المثير للقلق، دون أن يهز شعرة واحدة من رؤوس مسؤولين يقرأون الأرقام والتقارير ويتفرجون، بل ويدفعون بالمزيد من الشباب إلى التذمر والرغبة في الهروب من بلد بإمكانه استيعاب مائة مليون شخص على الأقل..
فهل من منقذ أو مغيث لمستقبل الوطن؟
derradjih@gmail.com