صراع المخزن مع الجزائر ينقل “الراي” إلى اليونسكو
بإعلان وزير الثقافة عن تقديم الجزائر رسميا لملف تصنيف الراي كتراث عالمي إنساني بوصفه “غناء شعبي جزائري” يصبح ثاني ملف تتلقاها المنظمة العالمية للتربية والثقافة، بعد ذلك الذي تقدمت به المغرب الأقصى، وبذلك أيضا يكون الصراع الذي دام طويلا بين المغرب والجزائر على تبني الراي قد خرج إلى الأروقة الرسمية، فأي الملفين ستعتمد اليونسكو؟ هل هو ملف الجزائر أم ملف المغرب؟ الإجابة عن هذا السؤال ستحدده اللعبة الدبلوماسية ولعبة الكواليس التي ستضع الراي مرة أخرى في واجهة الصراعات السياسية.
بعد الدور الذي لعبه هذا الفن في بداية الثمانينات في لعبة السياسة الداخلية إبان الأزمة الاجتماعية والاقتصادية الحادة التي عرفها عهد الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد، وربما من صدفة التاريخ والأقدار أن يكون الراي اليوم واجهة لعبة سياسية خارجية في زمن انهيار أسعار النفط ورفع شعار “التقشف”.
فقد سبق مثلا أن نشرت جريدتا “ليبراسيون” و”اكتيال” الفرنسيتين في الثمانينيات موضوعا تعتبر فيه أغنية الراي مظهرا من مظاهر الانشقاق داخل دهاليز الحكم، لكن جرائد النظام ردت عليها باعتبار الراي هو “طوق نجاة جديد يوظفه الاستعمار للتعبير عن حنينه إلى جزائر فرنسية.”، وبطريقة غير مباشرة رد الوزير ميهوبي على المغرب الساعية إلى تبني مطربي الراي وجعلهم رأس حربة في صراعها مع الجزائر بشأن قضية الصحراء الغربية واستقطاب أصوات وتأيد ومواقف الجاليات المهاجرة، حيث قال ميهوبي”الجزائريون قلقون على تراثهم ومن محاولات السطو عليه”.
وأضاف وزير الثقافة “من حق الجزائريين أن يكونوا غيورين على تراثهم وتاريخهم وذاكرتهم من أي محاولة للمساس به والسطو عليه أو تحريفه” كما كشف ميهوبي أن تراجع الوزارة عن تأجيل مهرجان الراي إلى 2017 لدواعي التقشف ثم التراجع عنه وتنظيم المهرجان هذه السنة كان سببه الضجة التي أثيرت في المغرب عن دور مطربي الراي، ويعتبر تأكيد ميهوبي هذا بمثابة اعتراف رسمي بإدخال الراي لعبة الأروقة السياسية بين الجارتين اللدودتين.
كانت وما زالت أغنية الراي الناطق الرسمي باسم الهامشي والمسكوت عنه في المجتمع، فقد رافق الراي كل التغيرات والانقلابات التي عاشتها الجزائر، ربما لهذا كانت سوق الأغنية الرايوية الأسرع والأكثر تطورا ومسايرة للراهن، فما يكاد يمر أسبوع حتى تنزل إلى الأسواق أسطوانة أو تبعث بصوت جديد، حاملا معه ظاهرة ما من ظواهر المجتمع.
ارتبطت أغنية الراي بالتطورات التي عرفها المجتمع ورافقت كل هزاته، حيث كانت ولادة هذا الفن صعبة ولم يخترق الأجواء العامة إلا في عهد الشاذلي بن جديد، لأنه كان طابعا منبوذا من طرف المجتمع وارتبطت سمعته بانحطاط الذوق والأخلاق، ويحيل إلى الملاهي الليلية التي احتضنت هذا الفن في بداية الخمسينيات، عندما ثار بعض المطربين على الطابع الكلاسيكي والشعبي الذي كان سائدا آنذاك، يربط الباحث المتخصص في الأغنية الرايوية، الحاج ملياني، بين تحولات المجتمع وتطور الراي، حيث يؤكد أن”المجتمع الجزائري عاش ولازال يعايش تحولات عميقة في تركيبته وبنيته الأساسية، خصوصا أن إفرازات محصلة الظروف والمراحل الصعبة التي مرت بها البلاد ترسخت كثيرا ولم يعد من الممكن تجاهلها أو إغفالها”.
وحسب الباحثين الذين تناولوا أو كتبوا في الموضوع، فإن هذا الفن كان ثورة ضد الذوق السائد في الأغاني، كما كان تعبيرا عن عالم منبوذ ومهمش، لا يجد سوى الملاهي ليطلق العنان لرفضه ولعنه للواقع، لهذا كانت أغاني الراي ثورة بحد ذاتها في كل شيء، بداية من أسماء المطربين الذين يتخذون ألقابا مستفزة للمجتمع.. الشيخة الرميتي، كادير الجابوني، هواري الدوفان، وقد تتخذ تلك الأسماء طابع الاعتزاز بالانتماء إلى عالم الطبقات المسحوقة المرتبطة بالجهة أو الحي، مثل عز الدين الشلفي، كادير الوهراني، الشيخة الجنية، الشيخ العفريت، وغيرها من الأسماء والألقاب غير المقبولة اجتماعيا.
كما يعتبر الراي أيضا ثورة في أنماط الموسيقى بابتداع أشكال جديدة لا تخضع لما كان سائدا من تقاليد في هذا الجانب، لهذا يرى البعض أن هذا الطابع استمد اسمه “الراي” التعبير الذي يحيل إلى الحرية والرأي الشخصي، والتحرر من كل القيود في قول كل شيء بكل الألفاظ.
الشاذلي بن جديد يتبنى الراي ويدخله لعبة الصراعات السياسية
إلى غاية الثمانينيات من القرن الماضي، كانت أغنية الراي غير معترف بها اجتماعيا ولا سياسيا أيضا، وظلت قرينة العيب والتهميش وتعبيرا عن انحطاط الأذواق، ولكن “النجاحات” التي حققها هذا النوع من الغناء الذي أخذ يفرض نفسه يوما بعد آخر حتى خارج الحدود وسرعة انتشاره، دفعت صناع القرار في عهد الرئيس الشاذلي بين جديد إلى دمجه في الإطار العام، بل وتحولت تلك السياسة في جزء منها إلى صناعة نجوم الراي على مقاس السلطة، وما لبث أن تحول بعضهم إلى جزء من لعبة السياسة.
في سنة 1981 وقعت الشابة فضيلة زلماط اقتحامها لساحة الراي بأغنية “البيرة عربية والويسكي ڤاوري” الأغنية كانت مستفزة، خاصة وأنها جاءت على لسان امرأة لكنها حملت في العمق تعبيرا صارخا عن جزائر الطبقية التي ولدتها أزمة اجتماعية، ستتجلى لاحقا في صدمة أسعار النفط، كانت أغنية البيرة أكبر من أن تكون مجرد أغنية سافلة، كما اعتبرها البعض وإنما كانت تعبيرا عن ميلاد لجزائر مابعد بومدين، جزائر الشاذلي بن جديد الذي أراد أن يسوق نمطا اجتماعيا يتسم بالانفتاح والسعي للعيش على الطرقة العصرية أو “لاشيشي”.
أخرجت سياسة الشاذلي بن جديد الراي من طابعه المهمش، حيث كان يغنى في زوايا الظل والأماكن المغلقة إلى طابع وطني جديد سيستعمل لاحقا في الصراعات السياسة بين السلطة والمعارضة، حيث دشنت “جريدة الشعب” يومها هجوما عنيفا على الأغنية ووصفتها بالمسيئة للذوق العام، وتحولت أغنية الراي بعدها إلى ساحة للنقاش والنقاش المضاد بين مختلف التيارات والأتباع على صفحات المجاهد الأسبوعي والثورة الإفريقية والوحدة، حسب ما يذكره صناع تلك المرحلة، تزامن فتح النقاش حول أغنية الراي مع عودة النقاش أيضا حول الهوية ومكانة الأمازيغية في النسيج الاجتماعي، والتي طفت إلى السطح بعد أحداث الربيع البربري، وبروز أنصار تيار الثقافة الشعبية واعتمادها في الفضاء العام، في محيط اجتماعي مشحون تميزت به فترة الرئيس الشاذلي التي شهدت أكبر صدمة بترولية في الجزائر المستقلة انهارت معها الكثير من القناعات السياسية
والاجتماعية بما في ذلك الأذواق الفنية وأعيد النظر في معنى الطابو، احتضنت أغنية الراي كل هذه التناقضات التي غذاها واقع اجتماعي مرير.
وهكذا أخرج الشاذلي بن جديد الراي إلى دائرة العلن، حيث أشرف وزير الداخلية يومها الهادي لخذيري والعقيد سنوسي على جلب فرق الروك من الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا، وقدمت عروضا وحفلات في مركب 5 جويلية، وكان النظام يرمي من خلالها إلى الإيحاء بعهد جديد في جزائر الإصلاحات التي قادها الرئيس الشاذلي بن جديد، خاصة أمام تصاعد ضغط التيار الإسلامي والبربري المطالب بالحرية والديمقراطية.
في منتصف الثمانينيات قاد نظام الشاذلي سلسلة من المحاكمات ضد التيار الإسلامي، وفي نفس الوقت أنشأ مهرجانا للراي في بلعباس كان إيذانا بإخراج أو تبني رسمي للأغاني التي كانت توصف من قبل بالملعونة، وصار النظام يصنع مطربيه ويستضيفهم في الإعلام مثل صحراوي، وجلطي وغيرهم.
يذكر المتتبعون أن هذه الفترة التي كانت غنية بصراع الكواليس في أجنحة السلطة والنظام وبين المعارضين والموالين لإصلاحات الشاذلي بن جديد، وقد تمظهرت تلك الصراعات من خلال الأحداث الثقافية والفنية، وكانت أغنية الراي إحدى مظاهر هذا الصراع.
السلطة اضطرت تحت ضغط الشارع والتغيرات الاجتماعية إلى اعتبار الراي جزءا من الثقافة الشعبية للمجتمع الجزائري، وأخذت في صنع أسماء ونجوم موالين لها، وهذا كان إيذانا بميلاد تيار جديد من الراي النظيف الذي يبث في الإذاعة والتلفزيون،
تحول بعدها الراي إلى جزء من اللعبة السياسية في الجزائر، وإن كانت جل أغاني المطربين في هذا النوع ظلت تغني الهامش والخيبات العاطفية والهجرة السرية وغيرها، وتحولت بعد أن اقتحمت الفضاء العام إلى سوق مربحة تدر الملايير على أصحابها، حيث تشير إحصائيات غير رسمية إلى وجود أكثر من 300 مطرب معروف وأكثر من 200 منتج عبر التراب الوطني يعتمدون على مدا خيل الراي، وتتصدر ولاية وهران قائمة الولايات التي يتمركز بها أكبر قدر من المنتجين والمطربين في هذا النوع.
الراي من غناء الهامش إلى الترويج السياسي
تفطنت السلطة في الفترة الأخيرة إلى الأهمية التي قدمها لها هذا الفن المنتشر بكثرة في الأوساط الشعبية والشبابية، فعمدت إلى استمالة مطربي الراي وإقحامهم في اللعبة السياسية فوزارة الثقافة مثلا في كل موعد انتخابي، تنظم قوافل الفنانين إلى الولايات من أجل إقناع الناس بجدوى الانتخابات، حيث أطلق المازوني مثلا في الانتخابات الرئاسية ألبومه “فوطي فوطي وضم صوتك لصوتي.”، كما لعب الشاب مامي أيضا دورا في الحديث عن صحة الرئيس في فال دوغرالاس.
ومع ظهور حراك الثورات العربية أطلق الشاب نجيم أغنية جديدة ضد التظاهر يقول فيها “اولاش اولاش خلونا طرانكيل.. ما خصتناش المظاهرات خصتنا السكنة والخدمة، خلونا من الخلاط خلونا من السمير”
كما أخذت السلطة، بالموازاة مع ذلك، إجراءات صارمة ضد المطربين الخارجين عن النص، حيث أدخل عز الدين الشلفي إلى السجن بسبب أغنية عن الحڤرة انتقد فيها الوالي “شوف شوف الحڤرة شوف، وعندنا واحد حمار”، كما أدين الشاب فيصل بتهمة إهانة رجال الأمن في إحدى أغانيه، كما فرضت حصار على أغاني المطرين الموالين للمغرب والذين اعترفوا بمغربية الصحراء، الأمر الذي اعتبر تَعد على إحدى مبادئ السياسة الخارجية الجزائرية، ولم تتوان المغرب من جهته في اتخاذ خطوات مضادة للجزائر في هذا السياق، خاصة بعد سعي الجزائر لتصنيف الراي باسمها في قائمة التراث العالمي، حيث شنت المواقع الإعلامية المغربية هجوما على الجزائر، وحتى بعض الباحثين المغاربة اعتبروا أن هذا الفن من الغناء يعود في أصوله، كما الغناء الشعبي إلى الملحون والبدوي المغربي، الأمر الذي ينذر ببداية انتقال التراشق بين الجارتين اللدودتين من المجال السياسي و الدبلوماسي إلى المجال الثقافي.



