صناعة البعبع لتسويق المنقذ
وحدها الأمينة العامة لحزب العمال تكون قد قرأت في موجة الاحتجاجات فرصة سانحة لعرض مبادرة قديمة في حُلة جديدة، ناشدت الرئيس “التدخل على وجه الاستعجال لمنع حدوث الفوضى، بالنظر للوضع الاقتصادي والاجتماعي الراهن” والتكفل بالدعوة “لانتخابات تفرز مجلسا وطنيا تأسيسيا يتمُّ بموجبه إرساء قواعد نظام سياسي جديد”.
هذه المبادرة في الوقت بدل الضائع تكشف مرة أخرى حالة التيه التي آلت إليها المعارضة، هي أقرب إلى التسول والتوسل، تعني بعد الترجمة الحرفية لها “مناشدة رئيس الجمهورية التفضل بقيادة ثورة داخلية على النظام” تنتهي بإسقاطه دون حاجة إلى ربيع شعوب، لأن المطلب الأول والأخير لجميع الثورات المخملية كان الفوز بمجلس تأسيسي لوضع اليد على نظام الحكم.
في مكان ما تكون السيدة حنون، مثلها مثل النقابات التي تقود الاحتجاجات، قد أساءت قراءة المشهد المعقد للنظام والإحاطة بهامش المناورة المتاح عشية استحقاق يكون النظام قد حسم خطوطه العريضة مع تأجيل التركيب وموعد العرض إلى نهاية السنة، وأنه لا يضيق صدره باحتجاجات اجتماعية متحكم فيها، قابلة للتسوية في أي لحظة، وقد توفر له فرصة تشغيل مسح معمق بـ”السكانير” الأمني والسياسي للأطراف التي قد يخشى أن تركب الجبهة الاجتماعية لخلط الأوراق ساعة الحسم.
لستُ متأكدا أن ما حصل منذ تعيين السيد تبون، ثم إقالته وإدخاله السرداب بشروط مجزية، والدفع بالسيد أويحيى للرقص على صفيح ساخن في توقيت لم يكن في صالحه، أو ما تلقاه حتى الآن من ضربات موجعة على الأصابع، وإرخاء العنان لغريمه في جبهة التحرير لمشاغبة الحكومة عن بُعد، لست متأكدا أنها كانت عن سوء تقدير وفلتان معيب من السلطة الفعلية التي كان بوسعها أن ترفع الحرج عنه بترضية الجبهة الاجتماعية.
وحيث لم تفعل، ولا أظنها ستحرِّك ساكنا، فلا بد أن لها مصلحة في إطالة عمر الاحتجاجات الاجتماعية بمستوى منخفض من التوتر، متحكم فيه، مؤمَّن حتى الآن من الاختراق السياسي والأمني، تقع جميع أعبائه على الحكومة، ويُصرف الغضب فيه باتجاه رئيسها، وربما يكون هذا بيت القصيد، ومؤشرا أوليا قويا لما رُتب له في سياق إدارة الاستحقاق الرئاسي القادم.
في عمودين سابقين كنت قد جازفت باستشراف يزعم أن النظام ذاهبٌ إلى تأسيس قطبين لشغل واجهة الحكم، مع تقسيم الأدوار بين الجبهة والتجمّع، وأنه بقدر ما شجَّع الجبهة على احتضان طيف واسع من القوى التقليدية والمحافظة داخل النظام وفي المجتمع، بما في ذلك الصيد في حظيرة الإسلاميين، شجّع التجمع على استقطاب القوى الليبرالية في مجتمع المال والأعمال كما في الجهاز التكنوقراطي للدولة، ومن مخلفات ما كان يسمى بالمجتمع المفيد، فضلا عن الناجين من قوارب “الحرقة” من الأحزاب العلمانية المفلسة.
ولأن النظام لم يستكمل حتى الآن بناء “جدار الحماية” القادر على تأمين إشراك متقدم لمجتمع المال والأعمال في التدبير السياسي، فلن يجازف في الاستحقاق الرئاسي القادم بترجيح كفة جهة تكون محسوبة على قوى أرباب المال والأعمال، حتى وإن كان سيضطرُّ من باب الاختبار إلى الترخيص لمرشح له في الرئاسيات القادمة، بعد أن يكون قد أجهده بمشاغبة محسوبة.
وفي بلد لم يعُد “الإرهاب” يشكل فيه مصدر تهديد ووسيلة ترهيب، قد سُحقت فيه بقايا المعارضة الإسلامية، وخُرِّبت متاجر المشاغبة اللغوية والثقافية، فإن الحاجة باتت ماسَّة لصناعة بعبع مخيف من “ذئاب” الأوليغارشية حتى نقبل دون تردد بمنقذٍ يخرج لنا من السرداب في ربع الساعة الأخير.