صنصال بين جائزة غونكور غير بريئة وعداء معربين غير بناء
تمهد فرنسا بكافة توجهاتها هذه الأيام لاحتفالها يوم السابع عشر نوفمبر بالروائي بوعلام صنصال الذي قرأت معظم رواياته وأمنت أنه من أهم الروائيين الموهوبين الجزائريين الذين يكتبون باللغة الفرنسية، مثله مثل ياسمينة خضرا الواثق من نفسه أكثر من اللزوم هو الذي تناقض في حديثه لقناة المغاربية التي لم يقل لها عند مخرج ميترو لندن أنه أقسم أن لا يكتب باللغة العربية التي كرهه فيها الراحل الطاهر وطار ومعظم المعربين الذين يعادون في تقديره كل مبدع يكتب باللغة الفرنسية، ويكتفون بقراءة عناوين كتبهم على حد تعبيره.
كاتب هذه السطور قرأ روايات صنصال وروايات ياسمينة وعدد أخر من الروائيين العرب المقيمين في باريس، ويؤمن أن المبدع حر في تفكيره حتى وإن جعل من مصلحته الشخصية وسيلة للطعن في قيم وطنه باسم محاربة ظواهر لا يقتصر وجودها على مجتمعه الذي خرج من صلبه، كما يؤمن أن الرد على من نختلف معهم فكريا لا يجب أن يتم بالترهيب بل بالحجة والجدل بالتي هي أحسن، اللغة الفرنسية التي دافع من خلالها كاتب ياسين عن أفكاره في انسجام تام مع سلوكه وقيمه الشخصية والأدبية هي اللغة التي اعتبرها مبدع نجمة “غنيمة حرب” وهي نفسها اللغة التي تسببت في عزل رشيد بوجدرة إعلاميا في باريس، حينما بدأ في الكتابة بها، وهي نفسها اللغة التي مزقت فؤاد مالك حداد وتركته يموت معلقا نفسيا بسبب عجزه عن الكتابة بها، كما جاء ذلك في كتاب ليل المعنى للشاعر اللبناني الكبير صلاح ستيتيه (87 عاما ) الذي صدر عام 1990 في شكل حوار مع جواد صيداوي، مع بوعلام صنصال الذي ـ أتعاطف معه لأنه يذكر البعض بوجودي الدائم ـ اتخذ أمر اللغة الفرنسية بعدا انتهازيا غير مسبوق وبشكل تفوّق به على من يوصفون بعرب الخدمة، لأنه حط هو الأخر من شأنه الأدبي والشخصي مثل خضرا، ولكن بطريقة أبشع حينما فشل أدبيا في روايته الأخيرة “2084”، صنصال صاحب اللغة القوية والغنية والسخرية العجيبة تراجع روائيا في روايته الجديدة وتناسى نفسه تحت وطأة تخيله الوظيفي لمعمورة إسلامية يقضي فيها على كل ما هو غير ديني وسقط في رتابة قاتلة أفقدت روايته أدنى مستويات الإيقاع إلى درجة تدفع بالقارئ في أحضان ملل مرادف للعذاب، لجنة الغونكور التي سيرمي فيها بثقله برنار بيفو في متحف باردو خلال الدورة الأخيرة لاجتماع أعضائها يوم السابع والعشرين من الشهر الجاري، ستدافع عن الرواية المملة أدبيا دفاعا عن اللغة الفرنسية التي قال عنها إيرفيه بورج (راجع إحدى إشراقاتنا) أنها ستجد من يدافع عنها ويروّج لها عالميا من مبدعي إفريقيا الشمالية، الذنب ليس ذنب صنصال وأتباعه والكرة في ملعب الناطقين بلغة الضاد الذين يرفضون الانفتاح على الأخرين باسم الهوية تارة وباسم الإسلام تارة أخرى، والهوية لم يعد لها دلالة عاطفية ولا عقلانية ضيقة في زمن اضمحلال الحدود الجغرافية والمعرفية واللغوية والإسلام الذي يهاجمه صنصال، لم يفرض علينا لغة واحدة ولا شكلا واحدا من التديّن، كما يعتقد المتوّج القريب بجائزة غونكور المهمة ماليا أيضا على حد تعبيره.