-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

ضياع القدس.. بين السلام المزعوم والربيع المشؤوم!

ضياع القدس.. بين السلام المزعوم والربيع المشؤوم!

عندما كانت للمسلمين والعرب بعض الإرادة تمكنوا من بعض المقاومة في منتصف القرن الماضي 1948، وكان لفلسطين أن لا تُحتلّ لولا خيانة البعض وتخاذل البعض الآخر وسذاجة آخرين ممن وثقوا في عهود الغرب الذي لا عهد له باسم وقف إطلاق النار من أجل السلام.واُحتل جزءٌ من فلسطين، وقاومت بعض الجيوش العربية مقاومة محدودة، وأعلنت بعض الفصائل الإسلامية الجهاد، ودب الرعب في وسط المحتل لولا الخيانة مرة أخرى والوقوع في فخ وعود الغرب الكاذبة وسراب السلام المزعوم ثانية.

وانتظمت المقاومة لتحرير فلسطين في 1964، أسوة بتحرير جبهة التحرير للجزائر، وتشكلت منظمة التحرير الفلسطينية على غرار جبهة التحرير الجزائرية وأعلنت الثورة: “ثورة حتى النصر”. وكادت الانطلاقة تكون سليمة كما في الجزائر، وكاد طريق النصر يُرسم بوضوح، لولا الخيانة مرة أخرى والوثوق في وعود الغرب الكاذبة وسراب السلام مرة أخرى… وكانت هزيمة 1967.. وكان احتلال ما بقي من فلسطين بدل تحريرها بما في ذلك القدس.

وأعلنت بعد الهزيمة التي سُميت “نكسة” مرحلة جديدة من المقاومة، على أمل أن تشتعل مرة أخرى جذوة الثورة على الطريقة الجزائرية لدحر الاحتلال، وأنجزت “معركة الكرامة” قبل أن ينقضي عام على الهزيمة في 1968، وأمدت القوى الثورية الفلسطينيين بما تملك من خبرة، وبدأت الانتصارات تتوالى لتحرير الأقصى واستعادة فلسطين. وكان الأمل باق إلى ذلك الحين… لولا أن حوّل العرب انتصار أكتوبر العسكري لسنة 1973  إلى هزيمة سياسية وتوجّهوا إلى مَن اغتصب الأرض والعرض، معترفين بوجوده، مطالبين ببعض الحق لعله يرضى ومصدقين بوعد الأرض مقابل السلام، مرة أخرى…

ولم يرضَ هؤلاء المغتصبون حتى بتمكين أصحاب الدار من بعض الحق.. لم يرضوا بالجزء الأكبر من فلسطين وبالجزء الأكبر من القدس، وأخذوا من العرب ما لا يُعطى من قبل شريف: الاعتراف بهم وبوجودهم مقابل أيضا هذه المرة سلام مزعوم لم يروه إلى اليوم، ولن يروه ما بقوا على ذات المنهج سائرين..

وتشتتت المقاومة بين لبنان والأردن وسوريا، وانتظمت في شكل قوى رافضة للاحتلال، ولم تتخلّ عن قوة الموقف حتى وإن فقدت موقف القوة: الأرض التي كانت عليها تقف. واحتضن لبنان أكثر القوى دفاعا عن فلسطين، وتحمّل العدوان بعد العدوان مع أشقائه الفلسطينيين، واحتل جنوبه من قبل الإسرائيليين، واستمر داعما للفلسطينيين إلى حين اضطرارهم إلى الخروج في سنة 1982، ثم اعتراف العرب جماعيا في قمة فاس بالوجود الإسرائيلي، ومرة أخرى، نعم مرة أخرى، مقابل سلام مزعوم…

وكانت تلك البداية الحقيقية لفقدان القدس وإطفاء جذوة المقاومة مقابل سلام وهمي لدولتين: فلسطينية وإسرائيلية.

وظن العالم أنه وضع حدا لحالة صراع غير قابل للحل، وصدَّق بعض الفلسطينيين هذا الوهم، وانطفأت جذوة المقاومة إلا فيما بقي في جنوب لبنان. وتشتتت القوى الفلسطينية المكافحة على أكثر من مكان في انتظار عودة جزء من فلسطين لأهلها بعاصمتها القدس من خلال الاتفاقيات والمفاوضات.

وجرت مفاوضات السلام برعاية أمريكية، وتمّ الاعتراف المتبادل بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وقبل الفلسطينيون بجزء من أرض مقابل سلام دائم وربما جزء من القدس.

ولم يحدث أي شيء، لا جزءا من الأرض عاد ولا القدس عادت، بل تأسست سلطة فلسطينية اعتبرت النواة الأولى لدولة فلسطينية منتظرة، وتُركت وشأنها بلا قدرة على التأثير في مجرى التاريخ.

وهكذا، بدل أن تُوجّه قواها نحو تحقيق الهدف المركزي؛ تحرير فلسطين أو جزء من فلسطين واستعادة الأقصى عاصمة لها، وجّهت قواها نحو بعضها البعض وانقسمت إلى سلطتين واحدة في رام الله وأخرى في غزة، واحدة تتمسك بالسلطة المؤقتة والأخرى تصر على كونها تمثل الشرعية وترفع لواء المقاومة ضد المحتل.

وبدل أن تتحد القوى وتتعزز الإرادات تشتتت مرة أخرى،. فابتعدت أكثر غاية استعادة القدس، وبناء الدولة حتى ولو على جزء من فلسطين.

وضُربت المقاومة في غزة أكثر من مرة، وشُنَّت عليها أكثر من حرب مدمرة، ومازالت تئن تحت الحصار، من غير أي سند أو عون، عدا بعض ما تمدها به بعض القوى المقاومة من مال أو قليل من السلاح.

ولم تستسلم غزة ولا استسلم الفلسطينيون الرافضون للاحتلال، وأحس العالم بأن جذوة المقاومة مازالت مشتعلة وبأن هناك حقا مازال وراءه طالب، إلى أن هب ما سمي بـ”الربيع العربي”، وظن الجميع أن الأمة قد استعادت وعيها، وأنها ستنطلق من جديد، فإذا بالربيع يتحول فجأة إلى خريف وشتاء وإذا بالحصار على غزة يزداد، وإذا بمصر الثورة تعيد غلق الأبواب ثانية وتتحول هي الأخرى إلى الاحتراق الداخلي، وسورية تعرف أسوأ مصير بحرب داخلية وخارجية لم تُبق ولم تذر أنجبت “داعش” و”النصرة”، وفتحت المجال لكل من أراد استباحة الأرض والدم السوريين، وحزب الله الذي حقق أكثر من انتصار على الإسرائيليين يعيد توجيه قواته هو الآخر نحو العدو الداخلي، والسعودية تقود تحالفاً ضدّ جارتها اليمن فتخسر المال والسلاح والرجال بلا غاية ولا هدف، والعراق القوي الصامد تاريخياً أصبح مرتعا لكل من حَمَل السلاح، غير قادر على ضمان استقراره، والسودان منقسم، والجزائر محاطة بالنار من أكثر من جانب.. وهكذا تحوّل الربيع إلى نار تشتعل في كل مكان محيط بفلسطين. ولم يعُد بإمكان أي كان أن يفكّر في بيت الآخر بعد أن احترق بيته أو بدأ يحترق..

ولا يجد الإسرائيليون أفضل من هذا التوقيت للإجهاز على ما بقي قائما من آثار للمسلمين: المسجد الأقصى.. وها هم يفعلون.

ولن يجدوا من يردعهم حتى يستكملوا المهمة كما شاءوا، فقد أشعلوا النار في كل البيوت المحيطة بهم.

فهل من وعي بعد هذا؟ هل من إدراك بأن القدس ينبغي أن تتحرر من الداخل، ومن داخلنا أولا، تتحرر في قلوبنا، وفي بيوتنا وفي دولنا وفي المحيط الذي نعيش فيه قبل أن تتحرر في فلسطين؟

هل من وعي أن فلسطين ما هي إلا الانعكاس الحي لحال أمتنا؟ ما هي إلا المُعبِّر بإخلاص عن حالنا؟ ما هي إلا المرآة العاكسة لكل ما نحن عليه؟ ما هي إلا  الرمز الحي لحالنا والقدس الشريف هو قلب هذا الرمز؟

فهلا انطلقنا من حيث يجب أن ننطلق لاستعادته ولتصحيح الصورة التي نحن عليها؟ هل قمنا بتجديد الوعي أن القدس ليست فقط رمزا للفلسطينيين، بل لنا جميعاً، وأن باحتلالها نحن جميعا محتلون، ليس فقط في أرضنا، بل في قلوبنا وفي عقولنا؟

إننا بحاجة إلى إدراك هذا قبل أي شيء آخر، ثم في حاجة إلى إدراك أن  أي اضطراب في الجزائر أو في مصر أو في بغداد أو دمشق واليمن… إنما يُبعدنا لسنوات عن العودة إلى القدس ويسمح لمغتصبيها بحق من تدميرها بحثا عن الهيكل المزعوم.. وهم يفعلون في ظل جهلنا وعدم وعينا وجرينا وراء سراب ربيع عربي وسلام مزعوم.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
  • salmikamel

    baraka elahouu fika ya Docteur; je lis vos articles régulièrement, oilah vous êtes parmi les très rares académiques algériens qui ont bien compris la politique, cette dernière dois servir toujours les intérêts communes de la nation et pas les intérêt d'une personne égoïste ou bien un groupe ou un parti politique, on doit tous réfléchir et travailler afin de faire progresser notre pays avant de faire progresser nos propres noms, je vous encourage vivement Oustad, rabi i3awnek

  • bess mad

    كل شقاء الأمة جاء من بني قريضة الخليج. المال البارد صنع أمراء فاسدين.يحبون البذخ و يموتون في كرة القدم.بدأوا بتحالف لضرب إيران بعدما طردت سفارة إسرائيل و رفعت العلم الفلسطيني, ثم جيشوا الجيوش لضرب صدام بعد فشله في احتواء إيران و ثورتها. ثم جربوا سمومهم في الجزائر في التسعسنيات. خربوا أفغانستان و حولوه إلى جحيم. و ها هم يعيدون الكرة مع سوريا بعد وأد القذافي ثم يأتي الدور على الشعب اليمني فيمطر قنابل عوض أموال, يسمونه تحالفا أعرابيا .عجيب أمر هؤلاء . يستحي اليوم أن يسمي المرأ نفسه عربيا.

  • بدون اسم

    القدس ضاعت بين مكر الأعداء و غباء الأصدقاء؟؟؟

  • بدون اسم

    تابع
    نرجوا من جميع المسلمين وهم من يهمّهم الأمر أن يكونوا مستعدّين لمجابهة الخطر مع ترك خلافاتهم جانبا و كذلك بتغيير سلوكهم في مصلحة شعوبهم في جميع المجالات و لا نعاود كرّة سقوط غرناطة بعدما ما تركنا الأندلس ككل و حاولنا البقاء أحياء في غرناطة و العملية تتكرّر بقلب فلسطين و القدس و مسجدها الأقصى المبارك
    ندعوا الله عزّ و جلّ أن ينصرنا على من ظلمنا من بني آدم و كلّنا بنوا آدم . انتهى

  • بدون اسم

    تابع
    طيلة ال73 سنة منذ عام 1948 التاريخ الفعلي للاحتلال
    عدم الاكتراث لما يصنعه اليهود بالمسجد الأقصى و كذلك التواطؤ معهم ستكون له عواقب سيّئة و هو يقلب الحسابات عندما ترى الشعوب الاسلامية التي يفوق تعدادها المليار و السبع مئة مليون نسمة أنّ الحل السياسي لم يعد ممكنا مع اليهود و أعوانهم
    و ليعلم الجميع انّ الشعوب الاسلامية اليوم ليست هي شعوب الماضي فهي تملك أعقد التكنولوجيا و تسعى للتطوّر و أبناؤها منتشرون في جميع العالم بالملايين و أيّ حركة من اليهود تجاه المسجد الأقصى هو اعلان الجهاد عالميا يتبع

  • بدون اسم

    تابع
    و مع الوصاية الأردنية على المسجد الأقصى التي بدأت تنقضي مع اعلان القدس عاصمة أبدية لليهود
    و ضعف النظام العربي الاسلامي و تبعية تسلّحه و جيوشه للخارج و قهره للشعوب ولّد نشاط من نوع آخر ضد الهيمنة الخارجية بمنطقتنا العربية و الاسلامية في حركات و جماعات و مذاهب مختلفة تعمل جاهدة لردّ الهجوم الظالم على شعوبنا مرّة بالايجاب و مرّة بالسلب داخل فلسطين و خارجها
    و الجميع بعلم بأنّ المشكلة الحقيقية هي الاحتلال اليهودي لفلسطين الذي لم تفلح معه تنازلات العرب و المسلمين المتعاقبة طيلة ال73 سنة يتبع

  • بدون اسم

    تابع
    هل أدخلنا في محادثاتنا كعرب و كمسلمين في اتفاقياتنا مع اليهود برعاية غربية على رأسها اليوم أميركا سلامة مقدّساتنا ( الأنفس البيوت الأراضي المساجد هنا و هناك بفلسطين أو بغرب نهر الأردن) و الحفاظ عليها أم أنّنا حصرنا النقاش في سلامة الكراسي فقط
    الاحتلال البريطاني كما نعلم هو من سمح لليهود باعلان دولتهم غرب نهر الأردن ( فلسطين الحالية) على الرّغم أنّ زعماء اليهود وقتها كانوا يطالبون بالضفّتين شرقي نهر الأردن و غربها لكن بريطانيا أعطت الشرق للعائلة الهاشمية و الغرب لليهود
    يتبع

  • بدون اسم

    تابع
    و ما يشهده العراق .. و ما تشهده سوريا من قنبلة مساجد تاريخية كمسجد عمر
    و ما تشهده الكويت و السعودية و اليمن من تفجير للمساجد و مهما يكن المذهب
    علينا قراءة أمورنا بكلّ صراحة لأنّ العدو اليهودي يسجّل أخطاءنا و يستغلّها مع من يدعمه عالميا من دويلات الفيتو
    و بعد سرد الأحداث المؤلمة على مساجدنا ( هدم قتل حرق غلق استباحة ...)
    مالذي علينا القيام به لردّ الاعتبار لأهمّ مقدّساتنا مساجدنا و منها المساجد التي تشدّ اليها الرحال
    المسجد الأقصى المبارك ؟
    تابع

  • بدون اسم

    تابع
    أين نور العلم من جامعة الزيتونة بتونس و أين نور العلم من جامعة فاس بالمغرب أين ذهبت منارات الع
    هدم مسجد تاريخي في بومباي بالهند
    هجوم على المسجد الأحمر بباكستان و قتل المئات لأنّهم اعتصموا به و كمعارضين للحكومة و قتها
    و ما شهدته مساجد البوسنة و الهرتزك بالبلقان خلال التسعينات
    و خلال ما يسمّى الربيع العربي تمّ قتل و حرق المسلمين بقلب القاهرة بمصر من قبل الأمن المصري بساحتي النهضة و رابعة العدوية و أمام مرأى و مسمع من العالم ككل
    يتبع

  • بدون اسم

    تابع
    و ما نجم عن الثورة الصناعية بأوروبا و استكشافهم للعالم بعد سقوط غرناطة و تحوّلهم من الصراع فيما بينهم الى احتلال العالم بافريقيا و آسيا و الأميركيتين و أستراليا
    والجزائر كانت المستهدف الأوّل و جميعنا يعرف ما حلّ بالكثير من المساجد الجامعة
    و حتّى مسجد كبير موجود بقلب العاصمة الجزائرية في الثمانينات كان عبارة عن مركز تجاري كبير في شكل أروقة جزائرية و كنت أتسوّق منه و قد لا حظت ذلك مئذنة و ... و ...
    و ننتقل الى السنين الأخيرة نتجوّل عبر مساجد بلاد الاسلام
    يتبع

  • بدون اسم

    المسجد الجامع
    يتعيّن علينا قول الحقيقة كمسلمين
    ظاهرة الاعتداء على المساجد موجودة من قبل بني جلدتنا ماضيا و حاضرا
    فقد تمّ رمي الكعبة بالمنجنيق في العهد الأوّل للاسلام خلال تحوّل الخلافة الى ملك في بني أميّة
    و الذي صنعه الطاهر القرمطي بالمسجد الحرام في موسم الحج من قتل و سفك الدماء و أخد الحجرالأسود من الكعبة في حدود القرن 12
    و ما صنعته الحروب الصليبية في عصر ما بعد المماليك بالقدس لهو مسجّل
    و ما الأندلس عنّا ببعيد مع أمراء الطوائف لمّا تحالفوا مع العدو ضدّ اخوانهم المسلمين يتبع

  • اسلام

    صدقت ، الا ليت شعرك

  • Zinedine.DZ

    {قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَىٰ أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ ۗ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ ﴿٦٥﴾}الأنعام
    ألا ينطبق علينا هذا الوصف القرآني. بقيَ أن ننظر في الآيات كي نفقه. رُحماكَ يا رب و لُطفكَ بنا. اللهم أرِنا الحق حقا و أرزقنا اتباعه ,و ارِنا الباطل باطلا و ارزقنا اجتنابه. إنها فتنٌ كقطع الليل المظلم, إذا اخرجت يدك لم تكد تراها. اللهم لا تكلنا إل إلى انفسنا.