طاقية الإخفاء للتمدد الإيراني
أهم إدانة لدولة إيران في البيان الأخير لاجتماع وزراء الخارجية العرب، لم يكن في متنه الذي جاء مع ذلك بإدانة صريحة، بل تجسدت الإدانة أكثر في موقف لبنان، البلد العربي الوحيد المعترض، تبعه وزير الخارجية العراقي الذي سارع بعد عودته إلى التحلل من نص البيان، ولو أن سورية كانت حاضرة لكانت عارضت إدانة حليفتها وكان سيدعمها اليمن لو ترك للحوثيين فرصة التفرد بقيادة اليمن.
هذا وحده كاف ليلفت انتباه الدول العربية وشعوبها إلى أن العراق والشام بالكامل قد سقط تحت هيمنة إيرانية لها اليوم حضور قوي بالوكالة داخل البيت العربي، يكاد يشكل ثلثا معطلا للقرار العربي، حين يتعلق الأمر بالعلاقة مع الجار الفارسي، أو لأحد مواليه من حكام العراق والشام.
ملاحظون قلائل كانوا قد رصدوا مبكرا بداية تمدد رقعة الولاء السياسي لإيران، ليس حصريا داخل الأقليات الشيعية في الخليج والشام بدافع الولاء المذهبي، بل ظهور ما يمكن أن يوصف بـ “التشيع السياسي” بين شرائح واسعة من المثقفين العرب ورواد الرأي، نراهم اليوم يصطفون بشراسة أكبر من الموالاة المذهبية نفسها إلى جانب إيران ظالمة أو مظلومة.
حجم الاختراق الإيراني للجسم العربي لم يسلم منه لا التيار القومي المرحل من المشهد السياسي منذ رحيل زعمائه: عبد الناصر، بومدين، صدام حسين، وأخيرا معمر القذافي، ولا حتى بعض تشكيلات الإسلام السياسي الذي دخلت بعض أذرعه في شراكة ميدانية مع أذرع النفوذ الإيراني في العراق وفلسطين المحتلة ولبنان، ولا حتى داخل التيار الليبرالي، الذي يميل إلى دعم المواقف الإيرانية من باب النكاية في الفكر السلفي المتهم خاصة في وصفته الوهابية.
جانب من هذا الولاء لم يكن أكثر من ردة فعل على سياسات الإقصاء المتبعة داخل أنظمة عربية مستبدة، منغلقة على نفسها، ولم يكلف إيران دينارا واحدا، حتى وإن كان استثمارها الذكي في الملف الفلسطيني قد منحها “طاقية ألإخفاء” للتمدد بتسويق أسطورة مزدوجة اسمها المقاومة والممانعة، اختطفت من العرب أهم قضية عليها إجماع شعبي من المحيط إلى الخليج، وسوّقت لكذبة أخرى اسمها “قيادة إيران لمحور الممانعة في وجه الشيطان الأكبر” لم يراجعها الموالون من المثقفين العرب حتى بعد أن افتضحت الشراكة الأمريكية في السند الإيراني للغزو الأمريكي للعراق، ولا حتى بعد أن كرسها الاتفاق حول الملف النووي، ليتضح فيما بعد أنه بوابة لتحالف أمريكي إيراني قد رضيت فيه الولاية المتحدة بتجديد دور “دركي الإقليم” لإيران كما كان زمن الشاه.
بيان وزراء الخارجية الأخير يكون قد أخطأ مجددا في التقدير حين اكتفى بالتنديد والشجب ومطالبة إيران باحترام سيادة جيرانها العرب، بدل التوافق على سياسات عربية مشتركة تعالج أمراض البيت العربي الأصيلة، وتبحث سبل تحصينه من عمليات الاختراق التي رأيناها تتوافد عليه من الاتجاهات الجغرافية الأربع، فتختطف من نخبه قيادة الشعوب، بل تختطف شرائح واسعة من النخب المهمشة وتوظفها في نسف وحدته السياسية القومية والثقافية والدينية كما حصل في العراق وسورية ولبنان واليمن، ثم في المتشابه من حراك الربيع العربي.