طرق احتيالية في التسول لاستعطاف المواطنين
يبدو أن التسوّل عن طريق مدّ اليد “مهنة” متجهة إلى زوال، بسبب تطوير المتسولين سلوكات جديدة لاستعطاف المواطنين، في ظل امتناع غالبية الأفراد عن منح نقود للمتسولين بالشوارع، بعدما بات أمرهم مفضوحا، ومظاهر التسول الحديثة غريبة وطريفة في آن واحد، يستحق أصحابها أن تسند إليهم أدوار تمثيلية في أفلام أو مُسلسلات، بسبب شدّة إتقانهم للتمثيل في الشوارع.
يُلاحظ الجزائريون مُؤخرا، تناقص عدد المتسولين الذي يمدون أيديهم بالشوارع إلا قلة منهم، لا تزال متشبثة بهذه المهنة التي لم تعد تدر عليهم مالا كثيرا، بسبب غلاء المعيشة وانفضاح حقيقة غالبية المتسولين ومُدّعي التشرد، بحيث بات المواطنون يفضلون تقديم تبرعاتهم وصدقاتهم إلى عائلات يعرفون حقيقة وضعيتها الاجتماعية الصعبة، سواء كانوا من الأقارب أم الجيران أم الزملاء.
ولم يستسلم المتسولون لقلة مداخيل “الطّلبة باليد” وعوّضوها بتصرفات أخرى علّها تكون أفضل لجني المال، ومن أشهرها سلوك احتيالي وتسول بطريقة غير مباشرة انتشر مؤخرا عبر مختلف ولايات الوطن، وأصبح حديث روّاد منصات التواصل الاجتماعي..
والدتي في المستشفى وأحتاج مالا لشراء أكل لها
اهتدى بعض المتسولين مؤخرا، لحيلة الصعود إلى حافلات النقل الخاصة أو العمومية، أو الجلوس في مكان بالقرب من مجموعة من المواطنين، وفجأة يخرج هذا الشخص هاتفه الذي لم يرنّ أصلا ويدّعي أنه يتكلم مع شخص، ومن الجُمل التي باتت مشهورة لهؤلاء: “بابا توفي اليوم ويمّا جاتها سكتة دماغية، وراني مُضطر باش نبيع قش الدّار باه ندفن بابا، ولافامي ما حبّوش يعاونوني”، ويضيف هذا المتسول بعض البهارات لتمثيليته من بكاء ورفع للصّوت.. وكثير من المواطنين ينخدعون في هذه المواقف ويجمعون أموالا لهذا الشخص “المُمثل”.
سيدة من بلدية القبة بالجزائر العاصمة، أخبرتنا بأنها كانت متواجدة في حافلة نقل عمومي تربط بين ساحة أول ماي والقبة، وكان كهل يجلس بقربها بهندام أنيق، تقول إن الأخير أخرج هاتفه وبدأ في التكلم مع شخص ويخبره بأنه كان في زيارة لوالدته التي أجرت عمليّة جراحية بالمستشفى، ثم شرع في البكاء وهو يقول: “ما قدرتش نشري ليمّا فطور.. شهريتي مازال ما دخلت ما لقيتش من عند شكون نتسلف”.
وتقول محدثتنا، بأنها أشفقت على حالة الكهل، وأخرجت مبلغ 2000 دج وأعطته له، فأمسكه دون تردّد، ولكنها تفاجأت به بعد أسبوع جالسا قربها في حافلة أخرى وأعاد نفس الأسطوانة، وهنا فهمت أنه مجرّد متسوّل ومُمثل.
وآخر التقيناه بالقرب من محطة ترامواي بباب الزوار بالجزائر العاصمة، فهو كلما شاهد سيدة بمفردها يقترب منها، ثم يخرج هاتفه وكأنه يتحدث مع شخص، ويشرع في القول بأن ابنته المعاقة بحاجة مستعجلة إلى حفاظات وأدوية، وبأنه لم يجد وظيفة إلى اليوم حتى عامل نظافة.. وبفضل هذا المشهد التمثيلي يتمكن من جمع أموال معتبرة.
وحكاية أخرى، يكرّرها وطبعا عبر الهاتف، شاب يتجول في أحياء بلدية درقانة بالجزائر العاصمة، وهو يقول بأن ابنته الرضيعة في المستشفى، وأمها قامت بخلعه وحرمته منها، وهي الآن تريد أموالا لإجراء عملية جراحية لابنتها وإلا ستحرمه من رؤيتها.. وهو لا يملك المال..! وقصة أخرى يدعي صاحبها “الباكي” دوما أن ابنته تعرضت لحادث مرور خطير وهي بحاجة لإجراء أشعة “إيرام”.
“بابا توفّي وعمّي طْرد أمّي من المنزل..!”
شاب آخر معروف في إحدى الولايات الغربية، من كثرة مشاهده التمثيلية في الحافلات، التي حفظها الركاب عن ظهر قلب.
فهو يصعد يوما إلى حافلة معينة، ويخرج هاتفه ويشرع في سرد رواية مكررة حول وفاة والده وطرد والدته من طرف عمه الذي أراد الاستيلاء على المنزل، وبأنه سيبيع الثلاجة أو التلفاز أو حتى كليته ليستأجر ولو مستودعا تمكث فيه والدته المريضة، خلال فصل الشتاء فقط..
وكان هذا الشاب يتلقى صدقات كثيرة، إلى أن انكشف أمره بسبب تكراره للقصة نفسها منذ أكثر من سنة، وعبر كل حافلة أو سيارة أجرة.
عمال نظافة وهميّون…
طريقة أخرى اهتدى إليها متسولون، وهي أكثر غرابة، حيث يقوم شاب أو اثنان بشراء السترة الصفراء التي يرتديها عمال النظافة، ويحضر مكنسة من منزله، ويتظاهر الاثنان بأنهما عاملا نظافة يكنسان الشارع، وكلما مر أمامها شخص يطلبان منه مالا لشراء قارورة مياه، لأنهما لم يتلقيا مرتبهما بعدُ، وكثير من المارة ينخدعون ويعطونهما مالا.
وهذان المتسولان، وفي حال قدمت لهما قارورة مياه بدل النقود، فإنهما يظهران انزعاجا واضحا، لأنهما يريدان المال..!
وانكشفت حيلتهما، لأنهما دائما يرتديان ملابس خفيفة و”بليغة” ويبقيان في المكان نفسه طيلة اليوم رُفقة مكنستهما، ثم يغادران تاركين القمامة مُبعثرة في مكانها.