طمس الحقيقة صناعة أمريكية وإبداع يهودي على مرّ العصور
لا يكفي بالنسبة إلى الإسرائيليين قتل الإنسان وابتلاع الأرض، وإنما همّهم من زمان هو تغيير الخارطة الجغرافية وتزوير التاريخ. وعملية القدس الأخيرة هي حلقة أخرى وليست الأخيرة من أجل تهويد القدس، وتصفية المسجد الأفصى الذي كان محطة من حج المسلمين فصار الآن نسيا منسيا.
يقول تعالى في سورة آل عمران في حق بني إسرائيل: “ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس وباءوا بغضب من الله وضربت عليهم المسكنة ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون“.
وما يحدث حاليا من محاولة لنسف الأقصى هو محاولة أخرى لاغتيال الأنبياء.
الصهاينة باشروا الاغتيال الجسدي من عهد الأنبياء وصولا إلى الشيخ ياسين في مارس عام 2004، ولم يكن اغتياله إلا محطة في رحلة الدم والقتل والهدم أيضا، من أجل زرع دولتهم الإرهابية المبنية على الجثث والردوم، بمخطط أمريكي تبدو معالمه في العراق وفي سوريا، حيث يتم تهديم أي مكان فيه تاريخ عربي أو إسلامي، حتى تصبح إسرائيل دولة غير مختلفة عن بلاد التاريخ والحضارات.
فالولايات المتحدة الأمريكية، عرفت منذ منتصف القرن الماضي بلقب عاصمة الاغتيالات السياسية والدينية والأثرية، ولم ينعم أي رئيس أمريكي بالأمان، حيث تعرضوا جميعا إلى محاولة الاغتيال، وهذا منذ أن نجا الرئيس أندري جاكسون عام 1835 من محاولة الاغتيال لتدخل أمريكا نفقا مظلما دام أزيد عن قرن من الزمن، اغتيل خلاله أربعة رؤساء بداية من أبراهام لينكولن عام 1865 مرورا بالرئيسين جامس فارفيلد وويليام ماكيلي وانتهاء بالاغتيال اللغز لجون كينيدي.
وكان الأمريكان قد بنوا دولهم التي صارت لا تغرب عنها الشمس باغتيال قادة الهنود الحمر ثم طمس آثارهم نهائيا، فسارت على نهجهم الدولة العبرية التي ساهمت في كل الاغتيالات الكبرى بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، من عهد الملك فيصل في المملكة العربية السعودية إلى عملية شنق الرئيس العراقي صدام حسين، ولم يكفها ذلك فتحولت إلى الجغرافيا فغيرت الأردن ولبنان وسوريا والسودان كما غيرت منذ عام 1948 خارطة فلسطين، وتطمح الآن إلى تغيير خارطة العراق واليمن وكل بلاد المسلمين، من دون أن تغفل عن تغيير التاريخ الإسلامي المبني على بعض المقدسات ومنها بيت المقدس بحجة البحث مرة عن هيكل سليمان وأخرى عن ترميم وإبراز الوجود اليهودي في المكان من قديم الزمان وما محرقة القدس في ستينيات القرن الماضي ببعيدة عن الأذهان، ولأن المكان تحت سلطتها فإن الإسرائيليين صاروا قاب قوسين أو أدنى من مسح آثار وجود صلاح الدين الأيوبي في بيت المقدس وهو الذي خطب في الناس وأمّهم في الصلاة قبل أن تتم عملية التهويد الكبرى المواصلة هذه المرة بسرعة أقوى وصمت مطبق من الذين يتوجهون إلى القبلة وعددهم بمئات الملايين من البشر، وهو ما جعل بعض العلماء يجتهدون في الفتاوى الحالية التي تحرّم الوجه إلى القدس بحجة الاعتراف دون شعور بالكيان الصهيوني، بأنها غير مجدية، لأن المكان إسلامي وقد تصبح زيارته خطوة أولى لأجل تحريره. وبين هذا وذاك، يبقى المسلمون يفكرون فقط في أحسن الأحوال، بينما بدأت إسرائيل بالعمل منذ قرابة السبعين سنة، وهاهي تواصل عمليات الترميم الكبرى، التي فيها تهديم لكل ما يرمز للإسلام، وبناء لما يرمز لليهودية، وسيستفيق المسلمون بعد سنوات قليلة على بيت مقدس لا علاقة له بمسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم.