طوينا صفحة مؤانسة برحيل آسيا جبار
برحيل آسيا جبار، نكون قد طوينا صفحة مؤانسة مع الأدب العالمي، أمضينا في تحريرها وقراءتها سنوات طويلة، ولعلنا لم نكتب عليها أكثر من اسمي محمد ديب وآسيا جبار، إنه الفقد أي لا يبدو علينا أثره، ولسبب تاريخي وهوياتي ووجودي ظلّ أهم أدب قدّمنا للآخر هو الأدب المكتوب بالفرنسية، وإلى غاية التسعينات من القرن المنصرم لم يتمكن كتاب الأدب العربي من تجاوز كونهم أدباء يتصفون (قسرا أو فعلا) بالتربويين، فلا شيء يطبع أدبهم أكثر من الميولات الإيديولوجية الصارخة وربما الميولات التقديسية.
ضمن سياق مختلف، استطاعت آسيا أن تدافع عن قناعتها الوجودية، بدون أن يكون هذا الدفاع مباشرا، ورسخت رؤيتها إلى الحياة إلى غاية رحيلها، في حين كانت تقترب كلّ يوم نحو الضبابية والغموض بالنسبة للقارئ الجزائري، هي كاتبة جزائرية باللغة الفرنسية، لا تترجم أعمالها في الجزائر؟ والأغرب أنها لا تصل أي ناشر عربي أو لا تمكّن أي ناشر عربي من أعمالها، ألأنها أرفع من عقل عربي تحتقره؟ أم لأنها لا تثق في نقل رؤاها إلى عربية تعتقد هي أن المقدّس والدّيني يحرسها؟ لسنا في موقف الإجابة عن أسئلة لم يتجرأ أحد على تحريكها بصراحة في حياتها، وإن حصل أمر فهو الاتهام المباشر لها.
لقد حصل لآسيا جبار ما حصل للروائي الأب محمد بن شريف صاحب رواية “الخيال” وكتاب “في مدن الإسلام المقدسة“، ألم تتم إحالة الرجل إلى النسيان رغم أنه المؤسس الفعلي للرواية الجزائرية باللغة الفرنسية؟ والسبب هو موقفه الروائي وليس الشخصي، السبب هو نصه قبل كونه ضابطا من خريجي كلية القديس سير الحربية، السبب وجوده في لحظة تاريخية توقفت فيها المقاومة المسلحة ولم يكن النضال السياسي الجزائري صريحا.
حدّثتني الروائية الصديقة فضيلة الفاروق عن الذي لقيته عندما قرّرت أن تدرس رواية آسيا جبار “بعيدا عن المدينة“، حيث لم يكن مقبولا عند متحجري الأدب العربي أن يدرس النص المكتوب بالفرنسية؟ وأتساءل هنا إن كان هذا خدمة للعربية أم حقدا على الفرنسية؟ في النهاية نحن نتحدّث عن أدب جزائري، وإن تطرف بعضهم في وصفه بالأدب الفرنسي، بدون مرعاة روحه وفضاءاته وحالاته بل وحتى مواقفه ورؤاه التي لا تنتمي إلى فرنسا، وإن انتمت للإنسانية، كلّ هذا إذا استبعدنا الدم الجزائري الذي يجري في عروق فاطمة الزهراء ايمالاين وليس أناقة الفستان الزهري القصير الذي ترتديه آسيا جبار.
إن المطلوب اليوم ونحن نمتلك حركة روائية استثنائية، من حيث الكم كما النوع، ونحن في لحظة اكتمال جيلي (أكثر من جيل موجود في اللحظة ذاتها للمرة الأولى تاريخيا) ليس تبادل الأحقاد والتهم، إنما دفع الأدب ليكون جزائريا خالصا وليس أدبا لأجل الشرق أو الغرب؛ لعلنا نعود في غضون سنوات لتحرير صفحة مؤانسة جديدة بعد طي صفحة جبار وديب الشيقة..