-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
يتعرضن للإهانات ولأمراضٍ مزمنة عديدة

“طيابات الحمام”.. لا مرتب ولا تأمين وكفاح مرير لكسب القوت

الشروق أونلاين
  • 11453
  • 6
“طيابات الحمام”.. لا مرتب ولا تأمين وكفاح مرير لكسب القوت
ح.م

“الكياسات” أو”طيابات الحمام” هن ركائز الحمامات والسيدات اللواتي بمجرد الوقوف على بلاطه الداخلي نبحث عنهن، معظمهن يتمتعن ببنية جسدية قوية وابتسامة دائمة، يعرضن خدماتهن على زبوناتهن لمساعدتهن على الاستحمام وتنظيف أجسادهن، وهن يسردن على مسامعهن قصصا مضحكة ويتمنين للفتيات العازبات الحظ السعيد والعريس الذي يحملهن إلى عش الزوجية، غير أنهن يختزن داخل قلوبهن نيراناً أشد حرارة من غرفة الغسيل أو كما يطلق عليها بالعامية “البيت السخون” والكثير من المشاكل والهموم، ليصبحن بمرور الزمن كتلة من الأجساد تنتقل من سيدة إلى أخرى محملة بالأمراض المزمنة التي زادتها ظروف العمل تفاقما وتأزما.

لم يكن يخطر ببالنا أننا سنضطر يوما لخلع ثيابنا كي نتمكن من إجراء روبرتاجا صحفيا، بل هي من المرات القليلة والنادرة جدا، حيث كانت وجهتنا أحد الحمامات التقليدية في حسين داي. 

  لم يكن مظهره الخارجي يدل على أن هناك حماماً ولا توجد أي لافتة تدل عليه باستثناء واجهته وأبوابه الزجاجية، لنقصد بعدها غرفة تغيير الملابس حيث قابلنا مجلسا يضم مجموعة من العجائز الطاعنات في السن، جئن لـ”يدفئن عظامهن” متحديات برودة الطقس والمطر، متجمعات حول عصير وحلويات وحبات من البرتقال يقصصن مغامراتهن ويتأملن الصبيات، فمنهن من تبحث عن عريس لابنها وأخرى جاءت للتباهي بمجوهراتها، وهناك حتى السارقات اللواتي يتحيّن فرصة انشغال الجميع بالغسل ليسرقن كل ما خف وزنُه وارتفع ثمنه، وفي الداخل غرفة غسيل عادية.

وكانت صاحبة الحمام قد زينّت مجلسها ببضع قارورات من الشامبو و”جال” الغسيل ومزيل الروائح وبعض الكريمات المرطبة بالإضافة لقطع من صابون “دزاير” الذي كانت تستخدمه جداتنا قديما تحسبا لنسيان إحدى الزبونات لوازمها، فتشتري منها مباشرة، ولا تفرق الأسعار المعروضة كثيرا عن أسعار المحلات سوى بـ 20 أو 30 دج زيادة عن الثمن الأصلي المتداول في الأسواق والمحلات التجارية، غير أن ما يلاحظ للوهلة الأولى داخل الحمام هو العزوف الكبير للسيدات والشابات عن التردد عليه على عكس أيام زمان.

ولما استفسرنا صاحبة المحل أكدت لنا أن القليل من البنات لازلن يحبذن زيارة الحمام، خاصة وأن الحمام المنزلي مع الخصوصية التي يوفرها لمستخدمته قللت من الإقبال عليه، معللة أن حمامها البسيط والمتواضع لا يتمتع بالمزايا والتجهيزات التقنية الحديثة المغرية التي أضحت الكثير من الحمامات تقدمها كخدمة التدليك بالزيوت والسونا، وحمامات البخار، والحمام المغربي الذي يقدم خلطات ووصفات لتنقية البشرة والجسد يتم جلبها خصيصا من المغرب والأردن يستحيل العثور عليها في أي محل أو دكان للعطارة، وهو ما يفسر قلة إقبال السيدات على الحمامات وتفضيلهن حمامات شهيرة تقدم الخدمات السابقة عليها مع أريحية أكثر وخدمات أبسطها التدليك بزيوت عطرية تهدىء النفس وتريح الأعصاب.

 

يدفعن صحتهن مقابل إطعام أبنائهن

لا تزال مهنة “الكياسة” أو”الطيابة” ملجأ للعديد من السيدات الأرامل والمطلقات ومصدر رزقهن الوحيد، وهو ما أكدته لنا السيدة “س،ع” 53 سنة، مطلقة، أم لثلاثة أبناء أكبرهم الآن يبلغ من العمر 25 سنة متربص في الإعلام الآلي، لم تجد مانعا في فتح خزانة قلبها لنا، حيث راحت تحكي لنا عن معاناتها: “اكتشفت بعد الزواج أن زوجي مدمن خمر يصرف مرتبه وأمواله عليها حتى نصيبه من ميراث والده أضاعه في جلسات الخمر وصرفه على رفاق السوء، كنت أعتقد أنه سيتغير بعد أن أنجبت ولدي الأول، لكن سلوكه ازداد سوءا ولأنني يتيمة كان لابد عليّ أن أتحمل مسؤولية عائلتي الصغيرة، بحثت عن عمل أعيل به أبنائي، خاصة وأنه منع علينا المصروف فعرضت عليّ إحدى الجارات العمل في حمام بحي بلكور، ثم تنقلت بين عدة حمامات إلى أن استقر بي المقام هنا”.

وأضافت متحسرة: “لقد استحالت العشرة بيني وبين زوجي فاخترت الانفصال عنه.. كان يضربني باستمرار كلما رفضت تسليمه ما جمعته من أموال بتعبي ومجهودي”، لتتنهد بعمق وتبعث صرخة حسرة وتوجّع مسترسلة في الحديث “أتحمل قذارة الزبونات وإهاناتهن حتى أن إحداهن مرة رشقتني بـ”طاسة الغسيل” وأصبتُ بجرح خفيف على مستوى الرأس، كل هذا يهون في سبيل إطعام أبنائي ولازلت اليوم أعمل رغم معاناتي من مرض الربو وعدم قدرتي على التنفس”.

 

 مهدداتٌ بالسجن أو الطرد

أبسط الأخطاء قد تكلفك حريتك” هكذا استهلت “سهام” وهي “كياسة”، حديثها عن مهنتها، مفيدة أن عملها يقتصر على تنظيف الزبونات، فهناك من تطلب منها أن تدلك لها ظهرها مقابل 100دج، وهناك من تطلب منها أن تغسل لها جسدها بالكامل مقابل 300 دج، وقد تصل إلى 500 دج إذا ما ساعدتها في وضع صبغة الشعر، مواصلة أن ما تجود به الزبونات هو مدخولهن، فهن لا يملكن مرتبا شهريا وقد يمضي يومٌ دون أن تطلبك أي زبونة، فستعودين للبيت خالية الوفاض، وأحيانا في فصل الصيف وموسم الأعراس تجني أكثر من 5 آلاف دينار في اليوم، عندما تخص العروس وصديقاتها بالخدمة الجيدة على حد قولها دوما، مضيفة أنها لا تملك تأميناً مثلها مثل كل”الكياسات”، وقد حدث وأن انزلقت رجلها في إحدى المرات داخل الحمام وكسر ظهرها وبقيت لأكثر من سنة تعاني من الألم والمرض، واضطرت للتداوي على حسابها ونفقتها الخاصة مع صدقات بعض المحسنين، مستطردة أن الأدهى من هذا هو صاحبة المحل التي طردتها بحجة حاجتها الماسة لعاملة ثانية.

“أتفادى المشاكل على قدر المستطاع وأتجنب الشجار مع صاحبة الحمام كي لا تطردني، هنا الجميع يكيد لك حتى الزبونات لا نسلم منهن.

تجول سهام بنظراتها يمينا وشمالا وهي تبحث عن زبونة جديدة ثم تكمل حديثها “وسط حرارة الحمام ضيّعت صحتي وشبابي لقد بلغت 40 سنة، ولم أتزوج بعد أو أكوّن أسرة، فوالدتي مريضة بالسكري ومؤخرا أصبحت تنسى بشكل غير معقول، وبعد أن أخذتها إلى الطبيب أخبرنا أنها مصابة بـ”الزهايمر” ووصف لها مجموعة من الأدوية لمساعدتها، ولحسن الحظ أن شقيقتي الأخرى ماكثة بالبيت، وهي من ترعاها رفقة أخي الصغير وهو معاق ذهنيا، فأنا المعيل الوحيد للعائلة لذا أتفادى المشاكل على قدر المستطاع وأتجنب الشجار مع صاحبة الحمام كي لا تطردني.  هنا الجميع يكيد لك حتى الزبونات لا نسلم منهن فهناك من تتهمك بسرقة مجوهراتها أو ثيابها وأخرى تتشاجر معك حتى لا تمنحك أتعابك، نحن مجبرات على تحمل مزاجات الزبونات والمرض فقد أصبت مؤخرا بارتفاع ضغط الدم والدوالي نتيجة الحرارة الزائدة والوقوف الطويل“.

 

بركاني: ظروف العمل تفتك بصحة “الطيابات”

صرح الدكتور “محمد بقاط بركاني” رئيس عمادة الأطباء لـ”الشروق”، أن ظروف العمل الصعبة والمضنية في الحمامات التقليدية والحمامات بصفة عامة من أجواء قاسية ومتعبة منها الوقوف لساعات طويلة مع التعرض الدائم للحرارة، والماء والبرودة المفاجِئة هي أحد أهم العوامل الرئيسية لمعاناة “الطيابات” من أمراض مختلفة، ليضيف الدكتور “بركاني” أنه لا يمكن تحديد المرض الذي تعاني منه هذه الفئة من السيدات فأغلبهن يشتكين من أمراض متعددة كضغط الدم، الروماتيزم موضحا أن هذا الأخير لا يرتبط بشكل مباشر مع ارتفاع درجة الحرارة، فهو يعد أحد “أمراض المناعة الذاتية” إلا أنه يرتبط بتزايد الإجهاد البدني، ومن أهم أعراضه تصلب المفاصل في الصباح، كما أنه ليس له سن معين فقد يصيب فتاة في العشرين أو عجوزا في الستين، وكذلك هو الأمر بالنسبة لضغط الدم أو الأمراض التنفسية الخطيرة مثل الربو والالتهاب الشعبي الحاد وحتى أمراض القلب.. وهي أكثر الأمراض شيوعا والتي تشتكي منها “الكياسات”، أي أنه لا يمكن أن نربط هذه الأمراض بالوظيفة بشكل مباشر، إلا أن الظروف وطبيعة الحمامات هي من شأنها أن تضاعف هذه الأمراض وتزيد وضعيتهن الصحية تعقيدا، خاصة وأنهن يبذلن مجهودا عضليا مضاعفا يزيد من مخاطر إصابتهن بأحد هذه الأمراض المزمنة.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
6
  • yanis

    tres bon sujet , la protection sociale et sanitaitre des ''Mouchous et autres tayabat el hammam''. sujet d'une extreme importance ,en effet voilant le reste de l'actualite mondiale,que peut-on dire vous avez beaucoup d'humour et il nous en faut avec le marasme actuel

  • بدون اسم

    هده هي المواضيع لي ايخص الشروق تتناولها مشي الكلام اليومي عن المملكة المغربية الشريفة

  • salim

    c'est la preuve que le travail fait vivre et tous ceux qui les ont insultes un jour comprendront qu'il ont eux tort et que le travail est un tresor comme la si bien dit le laboureur, un jour,alors moralité que les gens qui ont un poste de travail et aussi de l'assurance doivent se remettre au travail sans delai parceque l'hiver viendra un jour et la cigale irra bien chez la fourmi mais tout le monde connait sa reponse .cette fourmi la c'est le F.M.I. et on connait trés sa reponse en 1993 .

  • Nadin

    من المفروض أن في بلد غني مثل الجزائر تكون الدولة
    معيل من لا معيل له ، ربي يكون في العون

  • adala

    هادي هي الجزائر......الي راقد ومتكي يدي الكرسي.... والي يخدم بالنية والقلب الصافي يدي الخيط الراشي....وكتاه تتعدل اللله اعلم.....وربي يحفظ بلادنا وفرات

  • صريح

    اللله يكون في العون