طُوفانُ الغَثِّ من البحوثِ العلميةِ!
إذا كان طوفان الأقصى قد أدى ما عليه وأثبت زيف إيمان الغرب بالمبادئ الإنسانية التي طالما تغنّى بها، فإن طوفان الغثّ من البحوث العلمية لا يزال على أشدّه، هائجًا، يعصف بكل المبادئ العلمية ويلوّث أجواء العلم ويصيب مبادئ وسمعة العلماء إصابات قاتلة.
كيف لا، وعدد البحوث المسحوبة من المجلات الأكاديمية المحكمة عبر العالم بعد أن يتم نشرها يتزايد يوما بعد يوم بشكل مرعب إذ بلغ معدله خلال العام الماضي نحو 30 بحثا مسحوبا يوميا، وفاق عدد هذه البحوث خلال السنوات القليلة الماضية 50 ألف بحث! ومع كل ذلك يعتبر العلماء أن كمّ ما ينبغي سحبه من البحوث بعد نشرها هو أضعاف هذا الرقم.
متى تُسحب البحوث الأكاديمية بعد نشرها؟
متى تُسحب البحوث الأكاديمية بعد نشرها؟ يمكن أن يُسحب بحث علمي بعد نشره لعدة أسباب. وتهدف خطوة السحب أساسًا إلى محاولة الحفاظ على النزاهة العلمية وتجنب الاعتماد على الاستنتاجات غير الصحيحة كأساس في الابحاث الموالية. ومن أبرز أسباب هذا السحب، نذكر:
o وجود أخطاء علمية جوهرية في البحث. قد تكون هذه الأخطاء غير مقصودة أو لم ينتبه إليها الباحث والمحكّم.
o وجود تزوير أو اختلاق بيانات لم تأت بها التجربة العملية، سيما في العلوم التطبيقية، والتلاعب بهذه البيانات لبلوغ نتيجة معينة مسطرة مسبقا.
o وجود انتحال، أي نسخ غير مصرح به لأعمال أو أفكار باحثين آخرين دون الإشارة المناسبة لذلك.
o عدم الإفصاح عن تضارب المصالح بين الباحثين.
ومن المعلوم أن الكثير من الأبحاث المنشورة في المجلات العلمية تُعدّ أساسا للابتكارات ولصناعة منتجات مختلفة. فإذا كان بتلك البحوث خلل فقد ينعكس على جودة المنتوجات التي نستعملها سواء في الصناعة أو الزراعة أو الأدوية، أو الخدمات، إلخ. والشركات الكبرى متفطنة لهذا الجانب وتعمل على مراقبة منتجاتها. فهذه مثلا مؤسسة “غوغل” تمنح خلال عام 2023 للباحثين الذين اكتشفوا نقاط ضعف في منتجاتها، 10 ملايين دولار. لماذا؟ لأن السماح للأخطاء بالمرور دون اكتشافها قد يكون أكثر تكلفة للشركة فضلا عن ضرب ثقة الزبائن بالمؤسسة وكذا المسؤولية القانونية. وفي هذا السياق، منحت وزارة الدفاع الأميركية خلال مدة 5 سنوات، أكثر من 650 ألف دولار لأشخاص اكتشفوا نقاط ضعف في شبكتها.
ومن هذه الزاوية، يعتقد العديد من العلماء والمتتبعين أنه لابد أن تخصص مختلف الجهات أموالا لتحفيز الناس على اكتشاف الأخطاء من هذا القبيل وتعقّبها والإبلاغ عنها، ذلك أن المجتمع العلمي ينبغي أن يكافئ من يكتشف الأخطاء في المنشورات العلمية الأكاديمية ويصححها.
محاولة سويسرية
ومن المحاولات في هذا الاتجاه انطلاق، في مطلع هذه السنة، مشروع برنامج شامل في سويسرا تحت اسم “تقدير موثوقية وقوة البحث العلمي” يشارك فيه العديد من الجامعيين عبر العالم. ويهدف إلى تعقّب واكتشاف الأخطاء الكبيرة في المنشورات العلمية والإبلاغ عنها ومنع انتشارها والحدّ من تأثيراتها بطريقة منهجية، على غرار البرامج المخصصة لمكافأة أولئك الذين يبرزون الثغرات الأمنية في الصناعة التكنولوجية.
يقوم أصحاب البرنامج بفحص الأبحاث المنشورة في المجلات والمستودعات التي تحوي بحوثا مثيرة للانتباه لم تنشر بعد. ويشمل ذلك النصوص، والبيانات. كما يختار البرنامج الأعمال القابلة للمراجعة بناءً على أهميتها وقيمتها، ويعمل أحيانا كوسيط بين المحكمين والمؤلفين، ويجمع تقارير حول فعالية تقنيات الكشف عن الأخطاء. ويتم تمويل المشروع من قبل مورد مالي بجامعة بيرن السويسرية.
يختار أصحاب المشروع البحوث التي يقوم بفحصها ويكلف أحد الخبراء المختصين في موضوع البحث بالكشف عن الأخطاء، ومقابل ذلك يتلقى الخبير مكافأة تزداد قيمتها عندما يكون الخطأ المرتكب في البحث فادحا. وقبل ذلك يطلب أصحاب المشروع من صاحب البحث الإذن بفحص عمله ويتلقى هو الآخر مكافأة على قبوله العملية… ويطلب منه مثلا التعاون خلال تفحص عمله بتزويد المشروع بإضافات عند الضرورة.
ومن المعلوم أن النادر من محكمي المجلات العلمية يتقاضون أجرا مقابل مراجعاتهم لأعمال زملائهم، وهم مثقّلون بأعباء أخرى. ولذا، من الطبيعي، أن يقضوا وقتا في تقييم ما يُعرض عليهم من أعمال للفحص لا يفي عموما بالحاجة ولا يسمح في الكثير من الأحيان باكتشاف الأخطاء ضمن البحوث المعروضة للنشر، وكثيرا ما يغفل هؤلاء عن الأخطاء لضعف تجربتهم في باب التقييم.
ويلاحظ المتتبعون أن الفشل في حلحلة هذه القضية تنجم عنه تكلفة باهظة: تخيّل مثلا طالب دكتوراه يبني عمله على نتائج خاطئة. ماذا ستكون قيمة عمله الذي ينال به شهادته؟ وما مصير المنتجات التي قد تعتمد على هذا العمل ونتائجه؟ وما الفائدة التي يجنيها مموّل المشروع البحثي لهذا الطالب؟ ومن ثمّ فدعم مثل هذه المساعي، يمكّن الجمعيات والهيئات العلمية من تعزيز ثقافة الاعتراف بالأخطاء واعتباره أمرا طبيعيا، بل جديرا بالثناء وليس وصمة عار في مسيرة المعترفين بأخطائهم.
انتقادات موضوعية
وحول قضية احتمال أن يبالغ المراجعون الذين يكلفهم المشروع السويسري في تقدير خطورة الأخطاء -سعيًا منهم إلى الحصول على مكافأة ضخمة لاكتشافهم أخطاء فادحة، أو إلى محاولة تشويه سمعة الزميل صاحب المقال- يقول أصحاب المشروع إن هذا أمر وارد، ولكن المبالغة في تقدير الأخطاء قضية محفوفة بالمخاطر، نظرا لكون جميع تقارير المراجعين تُنشَر على المنصة الالكترونية للمشروع مع الكشف عن هويتهم.
من جهة أخرى، هناك انتقاد موضوعي لهذه العملية يتعلق باختيار البحوث التي ستخضع لهذه العملية. فالفريق المسؤول في البرنامج يختار البحوث التي تكثر الاستشهادات بها ، والاختيار لا يكون نهائيا إلا بعد موافقة المؤلفين على ذلك. ويلاحظ أصحاب المشروع أن اختيار بحوث بشكل عشوائي من شأنه أن يؤدي إلى تحيّز من نوع آخر، إذ سيقود إلى تقييم بحوث لا يتوفر لها سوى قدر ضئيل من البيانات والفائدة، وسيتم إنفاق موارد ثمينة على فحصها رغم أن تأثيرها سيكون منخفضا ولا تعتمدها معظم البحوث الأخرى.
يعتبر عدد من العلماء أن برامج تعقّب الأخطاء هو أفضل آلية لتصحيحها، وهم يرغبون في إثارة نقاش حول ضرورة الاستثمار بشكل خاص من أجل الكشف عن الأخطاء وتصحيحها في المنشورات الأكاديمية العلمية بهدف تطهير العلم مما يلوثه من شوائب. ويرى المتتبعون أنه أصبح من الأهمية بمكان توظيف علميين باحثين توظيفا كاملا لفحص منشورات كل مؤسسة علمية. وبطبيعة الحال، سوف يكون من الضروري توخّي الحذر لضمان استفادة الباحثين في مختلف أنحاء العالم من مثل هذه البرامج.
يقول أصحاب المشروع: لا يمكن للعلماء أن يتوقعوا اختفاء الأخطاء من تلقاء ذاتها. فالعلم قادر على تصحيح مكوناته شريطة أن نستثمر في جعله كذلك. ومهما يكن الأمر، نقول في آخر المطاف إن ارتفاع عدد البحوث المسحوبة بعد نشرها مؤشر مثير للقلق، ولكنه يُظهر في الوقت نفسه أن العلماء والناشرين على دراية بهذا الداء ويسعون إلى الحدّ من انتشاره. وهذا موقف إيجابي.