عالم الخطيئة…حين يسقط الغرب من مرآته!!
ليس كلّ سقوطٍ مدوّيًا.
بعض السقوط يحدث بصمت، حين تكتشف أنّ ما كنتَ تؤمن به لم يكن كذبًا كاملًا، بل نصف حقيقة مُدارة بإتقان.
قضية إبستين ليست فضيحة أخلاقية عابرة في الغرب، ولا انحرافًا مؤسفًا في منظومة سليمة. هي نافذة. نافذة فُتحت دون قصد، فكشفت ما كان ينبغي ألّا يُرى: بنية أخلاقية كاملة قائمة على الاستثناء.
إبستين لم يكن وحشًا طليقًا في الهامش.
كان رجلًا من الداخل. من الصالونات، من الجامعات المرموقة، من المؤسسات التي تُصدّر الدروس عن القيم وحقوق الإنسان وحماية الطفولة. لم يُحتمل وجوده على مضض، بل حُمي، أُدير، أُدمج.
وعندما انفجرت القضية، لم نرَ مجتمعًا يواجه ذاته.
رأينا منظومة تُغلق الأقواس بسرعة، تفصل الجريمة عن السياق، وتحافظ على الهيكل.
الرجل سقط، أمّا النظام فبقي واقفًا.
وهنا تبدأ الخديعة.
الغرب الذي أحببناه – أو صدّقناه – قدّم نفسه طويلًا بوصفه مرجعًا أخلاقيًا للعالم. قال لنا إنّ لديه نموذجًا: دولة القانون، كرامة الإنسان، حماية الضعفاء، قدسية الحياة. كلمات جذّابة، بل ضرورية، خصوصًا لشعوب أنهكتها الاستبدادات والحروب.
لكن إبستين علّمنا درسًا آخر:
أنّ هذه القيم قابلة للتعليق، لا في حالات طارئة، بل حين تمسّ السلطة والمال والهيبة.
لم تكن المشكلة في الجريمة وحدها، بل في الصمت المُتقن، في التواطؤ البارد، في الإدارة الذكية للعار.
هذا ليس خللًا أخلاقيًا.
هذا نظام عمل.
ثم جاء دونالد ترامب، لا بوصفه شذوذًا، بل بوصفه النسخة الصريحة.
لم يُفسد القيم الغربية، بل جرّدها من لغتها التجميلية. قال ما يُقال همسًا. تصرّف كما يُتصرف في الخفاء. جعل من المصلحة أخلاقًا، ومن القوة حقًا، ومن الوقاحة صدقًا.
لم يُزعج ترامب الغرب لأنه سيّئ،
بل لأنه صادق أكثر من اللازم.
وهنا، على القارئ العربي أن يتوقّف قليلًا.
ما حدث مع إبستين، وما كُشف مع ترامب، ليس شأنًا داخليًا غربيًا. لأنّ المنظومة نفسها تُصدَّر إلينا بوصفها معيارًا كونيًا.
نُحاسَب نحن على أساسها.
نُعاقَب باسمها.
نُوصَف بالتخلّف إذا خالفناها.
لكن السؤال الحقيقي هو:
هل تُطبَّق هذه القيم عندما لا تخدم الغرب؟
الجواب لم يعد نظريًا.
اسمه: غزّة.
ما يجري في غزّة ليس أزمة إنسانية، ولا مأساة حرب، ولا «تجاوزات مؤسفة».
إنه إبادة جماعية طويلة الأمد، تراكمية، منهجية، تُنفّذ أمام الكاميرات، وتُدار سياسيًا، وتُغطّى لغويًا.
هنا، فجأة، يتغيّر الخطاب.
القانون الدولي يصبح قابلًا للتأجيل.
الضحايا يُعاد تصنيفهم.
الأطفال يُختصرون في أرقام.
والقتل يُعاد تسويقه كـ«دفاع عن النفس».
الغرب الذي لا يحتمل رؤية طفل في مكانٍ ما،
يجد ألف تبرير حين يكون الطفل فلسطينيًا.
وهنا لا نتحدث عن نفاق عابر، بل عن هرمية في قيمة الإنسان.
بعض الدماء أثقل من غيرها.
بعض الضحايا يستحقون التعاطف، وبعضهم يستحقون الصمت.
هذه ليست أزمة معلومات.
هذه أزمة اختيار.
الغرب لم يفشل أخلاقيًا لأنه لا يعرف.
بل لأنه يعرف ويُدير.
وهنا تكمن الخديعة الكبرى للقارئ العربي المؤمن بالغرب:
أنّ المشكلة ليست في تطبيق القيم، بل في انتقائيتها.
وأنّ من يعلّمك الأخلاق، قد يكون أول من يُعلّقها حين لا تناسبه.
لسنا أمام حضارة سقطت.
نحن أمام حضارة انكشفت.
عالم الخطيئة ليس شتيمة.
إنه توصيف لنظام لا يُقصي الشر، بل يُنظّمه.
لا يُدين الجريمة، بل يُعيد تأطيرها.
ولا يرى في الفضيحة قطيعة، بل تكلفة.
ومن يطالبك بالإيمان بهذا العالم،
يطالبك عمليًا بالإيمان بأنّ العدالة انتقائية،
وأنّ الإنسان درجات.
والتاريخ – مهما طال الزمن – لا يرحم من اعتقد أنّ الذاكرة يمكن إدارتها إلى الأبد.