عدو الشعوب الأول
يخطئ من يعتقد أن الشعوب العربية هي وحدها من يتفجر غضبا مما تلاقيه من ظلم وتعسف على أيدي النخب الحاكمة، وأن غيرها من شعوب العالم تعيش نعيم الفردوس على الأرض، يحكمها ملوك ورؤساء لا يظلم عندهم أحد. وحده إعلام “الماينستريم” المهيمن، يروج على مدار الساعة لصور نمطية مفبركة، لعالم عربي وإسلامي مريض، متخلف، رافض للحداثة، مهدد للسلم العالمي.
بعد دولنا وشعوبنا عن مركز الحكم الفعلي، في عالم حولته العولمة بالضرورة إلى دولة عالمية فاشية تهيمن على مفاصلها قوى المال، هي خارج سيطرة الحكومات التقليدية، هو ما يمنعنا من رؤية “عدو الشعوب الأول” الذي ينبغي أن تتجند جميع شعوب العالم لإسقاطه بكل ما يتاح لها من أساليب الممانعة والمقاومة، وليس بإهدار القوة في معارك جانبية مع صغار خدمه من كرزايات يتسوقون عبر مسارات انتخابية مغشوشة.
فأي سلطة كانت لمبارك أو بن علي، أو القذافي، أو الأسد، حتى نضحي بعشرات الألوف من أبنائنا لإسقاطهم، واستبدالهم بكرزايات لا يصمدون ساعة أمام قوى الشر بالدولة العميقة، التي تبقى في كل الأحوال بيد الحكام الفعليين للعالم، وأصحاب السلطة الحقيقية من أرباب الأوليغارشية العالمية؟ وعلى افتراض نجا ح الشعوب في إسقاط جميع سلاطين ورؤساء وأمراء العرب واستبدالهم بحكومات منتخبة، فهل سيكون حالنا أفضل من حال الشعوب الغربية التي سبقتنا إلى “جنة” الديمقراطية و”فردوس” الليبرالية؟
لا شك أن “أهل مكة أدرى بشعابها” وأنه “لكي تعرف جهنم عليك أن تزور جهنم” كما قال الشاعر غوته، وقد كان علينا أن نسأل الشعوب الغربية عن المتشابه من نعيم جنة الديمقراطية، أو كنا كلفنا أنفسنا عناء القراءة، ورصد أحوال من سبقنا إلى “جنة” الدجال قبل أن نحول صلاتنا شطر قبلة وول ستريت والسيتي بلندن، وكنا سألنا: ما الذي دفع بمئات الألوف من الأمريكيين للإنخرط في حركة “احتلوا وول ستريت” عوض محاصرة البيت الأبيض: مركز السلطة الحقيقي حسب الدستور الأمريكي، وكنا وقفنا وقتها على الشراسة البوليسية التي تعاملت بها حكومة ديمقراطية مع محتجين سلميين، وكنا تعرفنا على المهام الحقيقية الموكلة لإعلام أمريكي هو بيد خمس إمبراطوريات إعلامية يحركها أرباب الأوليغارشية العالمية: روكفلير، روتشيلد، غولدمان ساكس ورفاقهم؟
الأمريكيون والأوروبيون غسلوا أيديهم من مسارات تغيير حكامهم في الواجهة عبر مسارات الديمقراطية، وقد تخلوا عن الخيارات الثورية التي يركبها بالضرورة “العقب الحديدي” للتعجيل بقيام الحكومة الفاشية العالمية التي بشر بها جاك لندن، وجورج أورويل، وآخرون، ولأجل ذلك تجتهد نخبهم النظيفة، لكي توجه الغضب الشعبي نحو الحكام الفعليين، المسئولين الحقيقيين عن الحروب التي قتلت أكثر من 200 مليون إنسان في القرن العشرين، وتتحكم بالكامل عبر المؤسسات المالية الخاصة والأممية في توسيع رقعة الفقر، وتركيز الثروة العالمية بأيدي أقل من واحد في المائة، تسمنها الحروب، وتغنيها الفتن بين الشعوب، وتحضر جهارا لاستكمال بناء النظام العالمي الجديد الذي نطق به جورج بوش الأب في خطابه الشهير في 11 سبتمبر 1990 عشر سنوات قبل أن تصنع أحداث 11 سبتمبر 2001 تحت راية كاذبة لخروج جحافل الدجال الأعور.