عراك وهمي
إلى أن تنتهي العهدة الرابعة، أو يقضي الله أمرا كان مفعولا، سنظل عالقين بأوحال بِركة راكدة، بمياه آسنة، وحدها الكائنات الطفيلية قادرة على العيش فيها، تستحوذ على ما بقي من الأكسجين، لتخنق شعبا بأكمله، قد وضعته السلطة والمعارضة خارج حساباتها.
السلطة ليست الطرف الوحيد الرافض للتغيير والإصلاح، فقد أثبتت الأيام أن أقطاب المعارضة هم أشد حرصا على “تجديد العهدة” لمنظومة سياسية دستورية مصابة بالزمانة، هي التي وضعت البلد على كفّ عفريت منذ النشأة الأولى، فالمعارضة لم ترفض فقط مبادرة الرئاسة للحوار، بل رأيناها تغلق الأبواب في وجه مبادرة “الأفافاس” بحجة أن الدعوة تضمر مناورة كيدية تريد ضرب التوافق بين المعارضة.
وقد صدر حتى الآن أكثر من موقف يكشف رفض المعارضة المشاركة في أي مسار إصلاحي قبل رحيل الرئيس، محلّ الإجماع الوحيد عند أقطابها، حتى وإن اختلفت في وسائل تحقيق “الترحيل” بين من يظل عالقاً بتفعيل المادة 88 من الدستور مثل السيد جاب الله، أو من يطالب مثل “الأرسيدي” بفحص طبي مستقل، فيما ترى حركة النهضة: أن الأهمّ هو أن ينصبّ النقاش حول عدم فرض السلطة لمرشحها في رئاسيات مسبّقة.
الجماعة، كما نرى، ليست على قلب رجلٍ واحد، سواء من جهة التحليل أم من جهة الحلول، وإن كان يجمعها توافقٌ على “ترحيل” الحوار حول الإصلاحات وتعديل الدستور إلى ما بعد “ترحيل” الرئيس، لنعلم أن ما يشغل الطبقة السياسية ليس واجب التصدّي لأعراض الزمانة المستديمة في مؤسسات دستور 89، بقدر ما هي منشغلة بتحقيق الجلاء الطوعي من قصر المرادية، مع غزل خفيٍّ في اتجاه مؤسسة الجيش، تراودها على الضلوع بدور “المحضر” المفوض لتنفيذ الإخلاء، وتطالبها فوق ذلك بترحيل نفسها من موقع صناعة المَلك.
آمل أن يلتفت أولئك الذين اقتنعوا بحاجة البلد إلى تحقيق توافق وطني يعالج حالة التخشب التي عطلت حركة الدولة والبلد أن يقتنعوا أخيراً، أنه لا أمل يُرجى لا من السلطة ولا من المعارضة، وأنه يتعين النزول بالمبادرة إلى المواطن وإلى من سلم من مكونات المجتمع المدني، بهدف تشكيل رأي عام مؤيد لخيار الحوار والتوافق، قد يجتبى لنا طرف محايد وسيط، يُغلق الأبواب على السلطة والطبقة السياسية، ويحملهم على واجب إنتاج توافق وطني يعني بإصلاح “الكرسي” أولا، حتى لا ننشغل غدا بعلاج زمانة قد تصيب من نجلسه على الكرسي، لأن تمريض سلطة معتلة هو أهون وأيسر من علاج دولة مصابة بالشلل والتخشب.