عرق دساس يقطع لسان العرب
لو تصدق مقدمات البحوث الأولى لعلم جديد اسمه “علم اللغة الكونية” معلن منذ سنة 2003، فإن العربية تكون هي “أم اللغات” أقدمها وأقدرها على مقاومة سنة الموت التي تصيب اليوم أكثر من خمسين لغة في السنة الواحدة، وقد سبق لنظراء نعيم شومسكي أن مالوا إلى مثل هذا التقدير الذي ستكون له تبعات لا تحصى على صعيد الصراع من أجل البقاء بين ثماني لغات عالمية ينطق بها 95 % من البشر، وقد تستوجب مراجعة مؤلمة لكثير من العلوم الإنسانية وتنسف نظرية داروين المهينة للجنس البشري.
بعيدا عن المقاربة العلمية التي نتركها لذوي الاختصاص بوسعنا التوقف عند البسيط المتداول عن لغات نسم آدم، وقد أحصى منها العلماء أكثر من 30 ألف لغة نشأت وماتت في بحر 5000 سنة من التاريخ المعلوم، بقي منها 6000 لهجة ولغة أكثرها متداول بين بضع مئات من الناس، ونحو 600 لغة تتقاسم 5 % مما عفت عنه 8 لغات عالمية تتصدرها الصينية والعربية والإنجليزية.
ومع أن “ديفيد كريستال” أحد أشهر علماء اللسانيات، قد وصف الانقراض المتسارع بـ “كوليرا اللغات” فإن الإعلام العالمي قد صرف النظر عن هذا “الموت الرحيم” لألسن ولهجات البشر، كما تم التعتيم عن طبيعة ومصدر الوباء، حتى لا ينسب لما تقترفه العولمة في حق التنوع الثقافي والاجتماعي للبشرية.
في هذا السباق من أجل البقاء بين ثماني لغات عالمية، تقول التقديرات: إن أغلبها سوف يندثر بحلول نهاية القرن، بحبل من أهلها وبحبل مما تفصح عنه “خريطة جينوم” اللغات الثمانية من آفات وراثية، قد لا يسلم منها سوى اللسان العربي الذي لم يجعل الله له عوجا، لا يعلم أحد يقينا متى وكيف نشأ مع افتقاره لرافد حضاري مادي عند العرب، إلا أن تكون العربية هي أقدم اللغات على الإطلاق وستبقى محفوظة بحفظ الله للذكر، حتى لو تكاسل عرب هذا الزمن عن الاستثمار في أغنى لسان بشري رأسماله الثابت: أكثر من مليوني مادة مدوّنة في المعاجم، قياسا مع 200 ألف في الصينية، و150 ألف عند قوم شيكسبير.
ما يترتب عن هذا التقدير حين تصدقه البحوث العلمية: “أن اللغة الأم إنما تكون أصلا للأمة الأم “ليكون العرب بجميع أعراقهم هم الأصل وباقي الأمم هي الفروع، رضي بذلك داروين أم استكبر طلاب علمه الفاسد، مع أن العرب: البائد منهم والقائم هم “قومية” تصنع بلا انقطاع من لسان مبين لا من عرق دساس.
أخطر ما جاءت به أبحاث “علم الغة الكونية” كما يقول أحد رواده من العرب الدكتور سعيد الشربيني: أن جميع لغات العالم إنما تنشأ وتنشط في الفص الأيسر من الدماغ باستثناء اللسان العربي الذي سكن الفص الأيمن منه، وهو فوق ذلك لسان متوازن في مخارج حروفه، متناغم في تدافع أصواته، ليس بينها صوت ناسف لما يليه، ولا حرف معتل حامل لجينوم الشيخوخة المبكرة المنذرة بالموت.
من أدرك هذا فقد أدرك شفرة الحربين الكونية والأهلية على “الأُمة أصل الأمم” و”اللسان الطي أبان قبل أن تعجم الألسن”، حيث لا سبيل لاستباحة بيضة المسلمين حتى يقطع العرق الدساس فيهم لسانهم المبين. أو ليس كذلك يا حاشية بن غبريط ومن يرطن بفأفأة “غنيمة الحرب”؟