-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

عرّابو التطرّف وصكوك المغفرة!

محمد حمادي
  • 2813
  • 7
عرّابو التطرّف وصكوك المغفرة!

في الوقت الذي ينشغل فيه كثيرٌ من الجزائريين بالإضرابات التي عطلت مجرى حياتهم، وأخلطت أوراقهم، يغرق آخرون في معارك وهمية، يفبركها بعض ضعاف النّفس ليلعبوا على وتر الجهوية والعنصرية عبر بوابة الهوية، لكن الأخطر من ذلك، هم أولئك المتربصون بالوطن، الذين أضحوا يستهدفون الشبان اليائسين ليحشوا عقولهم بالأفكار الهدامة، ويغسلوا أدمغتهم بمسحوق التطرف الذي يحضّ على العنف والكراهية باسم “إعلاء راية الإسلام”، عبر تلقينهم فنون التقتيل والتنكيل والسّبي، موهمين إيّاهم بأنها “السبيل إلى نيل الثواب في الآخرة ودخول الجنّة”، وكأنهم يملكون صكوك المغفرة التي تنجي من عذاب اليوم الموعود!

العمليات النوعية، التي قامت بها مصالح الأمن المشتركة، مؤخرا، بعدد من الولايات ضد خلايا تجنيد الشباب للالتحاق بـ”داعش” بسوريا، توضح بجلاء حجم المخاطر التي تتربص بهذا الوطن، الذي اكتوى بالعديد من المآسي والأزمات، ومع ذلك لا يزال صامدا، وكيف أصبح شبابنا لقمة سائغة لدى عرابي التطرّف، الذين استغلوا بطالتهم وأزماتهم المعقدة، ليرموا بهم في حضن الجماعات المتشدّدة التي لا دين لها.

المتربصون بالوطن، حاولوا استهداف السكينة في هذا البلد عن طريق النيل من مرجعيته الدينية بمذاهب وطوائف دخيلة على المجتمع، إلا أنّ مخططاتهم فشلت؛ فكانت “الكركرية” آخر حلقة في هذا المسلسل الذي تلوّن بأفكار غريبة، فجّرت موجة من السّخرية والتندر عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ليدير البعض البوصلة نحو مسألة الهوية عبر اختلاق أزمة لسانية، فتصدّى لها صوت العقل والحكمة والمنطق، وهاهم يلجؤون إلى الأفكار الهدامة التي ارتوت من كأس التطرف حتى الثمالة.

الوضع الاجتماعي المزري لكثير من الجزائريين الذين فقدوا طعم الحياة من فرط الغبن الذي التصق بهم وأبى أن يفارقهم، أعمى بصرهم وأضحوا لا يرون سوى الضباب الذي يلف مستقبلهم؛ فيسلكون أي طريق يرونه مخرجا ينقذهم من الشقاء، وهو ما استغله عرّابو التطرّف الذين استثمروا في ظروفهم المادية المزرية، ومنظومتهم النفسية المضطربة، ليوهموهم بأنّ الخلاص من هذا الغبن هو الالتحاق بالتنظيم الدموي “داعش” الذي ينقذهم دنيويا ويعبّد لهم طريق الجنّة في الآخرة.

مثل هؤلاء، أصبحوا يصطادون الشباب الحالم بغدٍ أفضل، يُنسيهم العذابات التي تجرّعوها في بلادهم، ليرموا بهم في أوطان أخرى، كي يمارسوا التطرف باسم الجهاد وإعلاء راية الإسلام؛ فشوهوا دين التسامح وقدّموا للعالم مشاهد مرعبة، عنوانها الدّم والدّمار، وصنعوا من مجازرهم الوحشية خوفا مرَضيا لدى الغرب، اسمه الإسلاموفوبيا، لا تزال تدفع ثمنه الجالية العربية والإسلامية في المهجر، التي كانت عرضة للاعتداء والاحتقار والإهانة في كثير من المناسبات.

يقول البعض إنّ انعدام فرص العمل وأزمة السكن، التي يتخبّط فيها الكثير من الجزائريين، عبّدت الطريق إلى اعتناق أفكار هدّامة تتغذى من صحون الانتقام والضغينة والكراهية؛ فأنتجت كائنات بشرية تظن أنها مظلومة ومسلوبة الحقوق، ومصنّفة ضمن خانة مواطنين من الدرجة الثانية؛ فتلجأ إلى مختلف أشكال العنف، سواء كان لفظيا أم جسديا لتثبت وجودها.

باختصار، فإنّ الحقيقة المرّة، التي صرنا نتعامى عنها، هي أنّنا لم نستثمر في الفرد وأهملنا مشروع المجتمع، الذي تسهم في تشييده الأسرة والمدرسة والمسجد؛ فوقع كثيرٌ من الشباب المحطّم معنويا في مصيدة دعاة الفتنة والمتطرفين.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
7
  • بدون اسم

    لا تلمني على سوء فهمك يا عمار من باتنة ... هل ما حذث و يحذث في العراق من قبل القوى العالمية تقسيم تقتيل تجويع تحت غطاء شرعية اممية مزيفة ارهاب ام لا ؟! هل القهر الاقتصادي لشعوب و دول افريقية من طرف انظمتها و منضومة عالمية لا تؤمن الا بالربح و الاستهلاك ارهاب ام لا ؟! هل قهر الشعوب بعملة رديئة و فاتورات قاسية و منظومة عدل تسير باللاعدل و تشجيع الجريمة باللاعقاب هل هذا ارهاب اجتماعي ام لا ؟! ووووو الامثلة كثيرة للارهاب الفكري العقائدي الاقتصادي الاجتماعي فلا تحاول تغطيته بجهلك و سوء فهمك .

  • عمار

    شكرا للصحفي على مقاله الرّ ائع لقد أصبت في كل ما قلته وتحليلك تحليل جاد،ذكي و صادق.
    أما تعليق رقم 5 فيريد تبرئة الإرهاب ،فأقول له الفقر يزول بالعمل الجاد وليس بقتل الأبرياء من مخلوقات الله، والله خلق العباد طبقات ولم يأمرنا بالقتل لإزالة الفقر بل بالعمل

  • متسائل

    تطرف علماني تطرف مسيحي تطرف اسلاموي تطرف راسمالي شيوعي تطرف انساني طالما هناك صراعات ظلم مفاهيم مختلفة لتسيير العالم سيوجد تطرف لكن المشكلة الكبرى اذا حطمت دول قتل جوع الملايين تسمى شرعية اما اذا مات البعض فيسمى ارهاب و يحاكم الجميع ... و الانظمة المستبدة الظالمة العنصرية تنتج المتطرفين بالنظر للقهر الاقتصادي الاجتماعي السياسي لمواطنيها ... فهل ما يحذث بامريكا من قتل عشوائي لابرياء من قبل امريكيين هل هذا ارهاب ام جنون ؟! فللانقاص من الظاهرة واجب العدل التوعية اعطاء الحريات احترام المعتقدات ...

  • بدون اسم

    السلام عليكم
    شكرا ..
    .. الظروف الاجتماعية الصعبة - خاصة الأحياء الشعبية -
    أرض خصبة لنمو بعض الفطريات كالندبية وآخرها الرناكية،
    - الإغـــــراء - مبالغ مالية ،
    سرعان ما يقعوا في أحضانها يعرفو الزنباع وين ينباع ،
    كما حصل في السنوات الأخيرة مع " المغرر بهم - ووو ..الخ
    أول خطوة لهم هي ضرب المعتقدات ووو ...
    لتدمير المجتمع وتحقيق أهدافهم ،
    وشكرا

  • بدون اسم

    منتوج الدكتاتوريات هم العبيد والوسط هو الفساد والنتيجة واقعنا وصوره طريقة التفكير الذي عوض أن يعالج السبب يعالج النتيجة وعليه المصير هو قيعان البحر وأن لم تصدقوا إسألوا من سن سنة الإستبداد فهو صاحب : (لا أريكم إلا ما أرى، وما أهديكم إلا سبيل الرشاد.) ....(فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوما فاسقين) ثم كان : إن الله لايصلح عمل المفسدين... ثم قيعان المحيط : فانتقمنا منهم فأغرقناهم في اليم..إذا يا كاتب المقال متى تعالج المسببات ...ننتظر منك مقالا في الأسباب لا النتائج يومها سنبصر شعاع المخرج

  • صالح بوقدير

    التطرف هونتيجة لخلل ما وقع في المنظومة أوفي سلم الأولويات وهو ليس خاص بمجموعة من البشر أو شعب من الشعوب أوديانة من الديانات ولمحاربته لابد من معرفة السبب ومعالجةالخلل الذي وقع أما محاولة القضاء عليه باستعمال القوة ومحاربة النتيجة فقد أثبت التاربخ بطلان ذلك فإنه قد يختفي أحيانا ولكن سرعان مايتكيف مع الواقع الجديدويظهر فجأة وبصورة أقوى والأمثلةفي ذلك كثيرة لايمكن دحضها ولا يتسع المجال لذكرها أما والحديث عن المؤامرة فهي حجة من لاحجة له وتبريرللعجز عن إصلاح العطب.

  • فوضيل

    لماذا لا نقول أن سبب تلك الظاهرة سبب فكري..؟ في جوهر فهم المسلمين للإسلام ذلك الفهم الذي لا يراعي البعد الإنساني والتاريخي للنص الديني... أليس سببه سنوات الشلل الفكري في العالم الإسلامي حيث تعطل فيها العقل عن العمل والعطاء والإنتاج ووقع أسير التكرار لنفس المفاهيم القديمة للحياة والآخر والمرأة والكون والدين بالعموم... لماذا لا نقول أن الحل هنا هو الإصلاح الديني تبدأ بدراسة نقدية للتراث الإسلامي حتى يتصالح فهمنا للدين مع العالم؟ قولوا هذا الكلام او اصمتوا ...