عزاء الشاة الغبية بالسلخ في المذابح الشرعية
في الدولة الحديثة يكون التمكين للفساد هو الثابت، والمتغير هو ما تراه من فارق في الأداء بين نظم الاستبداد والنظم الديمقراطية وما بينهما، بمقدار الاستعانة على تأمين الكسب الغير مشروع بقانون القوة في دولة سيادة قانون الغاب، أو بقوة القانون في دولة يضيع الحق فيها في أدغال القانون، حتى يكون للشاة الغبية بعض العزاء حين تسلخ في المذابح الشرعية، ولا ترى أن أعظم الفساد وأخطره هو ما يحصن بالقانون، ويرعاه السدنة في معبد دولة القانون.
كثيرا ما ترد علي أسئلة من القراء حول الأساليب التي تتبعها العلية في صناعة القيادة في الواجهة، وفي مقدمتها رئاسة الدولة، أو كيف تصنع الحكومات، ويختار الوزير الأول، ويستقطب الوزراء، ومن أي خزان احتياطي للإطارات الخدومة يغترف أصحاب القرار لتولية خدام الدولة والسلطة على المواقع التشريعية والتنفيذية والعدلية؟ وجميعها أسئلة مشروعة، في دولة تسير جميع مفاصلها ومفرداتها خلف الستار، لكنها تبقى أسئلة ثانوية، لا تفيد كثيرا، حتى حين تحصل لها على أجوبة دقيقة، قياسا مع الأسئلة الأكثر إثارة للعقل حول الكيفية التي تصنع بها دولة الفساد، وسيادة المفسدين دون خوف من العقاب والملاحقة، وهي الأسئلة التي أريد أن أحرر بعضها مع القارئ، قبل محاولة تحرير أجوبة لها بما بين أيدينا من وقائع، وقرائن من السلوك اليومي للدولة، ولرجالها، وأعوانها، وخدمها، في الدائرة العمومية كما في الدوائر الخاصة.
.
الثابت والمتغير في دولة المفسدين
ثقافة السلطة في الدولة الحديثة، الديمقراطية والمستبدة على السواء، تقوم على ثابت ومتغيرات. الثابت فيها هو التمكين المطلق للعلية والصفوة من توارث سلطة صناعة القرار، وسلطة المال، تحت أي ظرف، وبكل ما هو شرعي أو من قبيل قانون الغاب، حتى أن المقياس الذي يميز بين الدولة الديمقراطية ودولة الاستبداد وما بينهما، له علاقة نسبية بمقدار ونسبة الاستعانة بأدوات التمكين الشرعي، التي تصمد أمام الرقابة الشعبية والقضائية، أو بأدوات قانون الغاب والمغالبة البهيمية الصرفة، التي تحتاج دوما إلى الاستعانة بالقوة القهرية لحماية المكتسبات.
أما المتغير فهو ما نشاهده من تنظيم منهجي لتداول العلية والصفوة فيما بين مكوناتها على أدوات السلطة، ببرامج حكم تنافسية، ليس لها أي تأثير على تعديل أو تغيير ما هو ثابت في الدولة الحديثة، وأعني به التمكين المنهجي لسلطان الصفوة على مفردات توزيع الريع السياسي كوسيلة، والريع المادي كغاية.
“الثابت في ثقافة وسلوك الدولة الحديثة هو التمكين المطلق للعلية والصفوة من توارث سلطة صناعة القرار، وسلطة المال، تحت أي ظرف، وبكل ما هو شرعي أو من قبيل قانون الغاب”
.
من قانون الغاب إلى أدغال القانون
الأهم في تقديري، هو البحث في الأدوات والسياسات المتبعة في مسار التمكين، وفي السلوك الثابت عند أي سلطة، وفي أي نظام، ديمقراطيا كان أو مستبدا، وليس الانشغال بلعبة التداول على واجهة السلطة في رئاسة الدولة والحكومة والبرلمان والإدارات الكبرى، لأنها – كما قلت- شأن داخلي للصفوة، ليس لي ولكم فيه أي دور، سوى دور الكومبارس، وشاهد الزور، وما يناط عادة بالبيدق الذي يحرك مع خلانه على رقعة شطرنج اللاعبين، حتى حين يكون بعضنا قد رقي لمرتبة الحصان، أو الفيل، أو القلعة، وفي أحسن الأحوال رتبة الملكة.
في لعبة التمكين الخاضعة لقوانين صارمة في الدولة الحديثة، تجتهد الصفوة قدر المستطاع لأجل الانتقال – في سياق تنظيم أدوات النهب، والسلب، والاستفراد بحصة الأسد من الريع السياسي والمالي- لأجل الانتقال من سلوك الاستحواذ والنهب والسلب بالقوة الصرفة، أو بالمغالبة البهيمية، والتزوير والتصرف خارج القانون، إلى تنظيم وشرعنة نفس السلوك، سلوك الاستحواذ، بأدوات قانونية صرفة، من شأنها أن تحمي الفساد من الملاحقة والمحاسبة، حتى حين تنقلب موازين القوة، ويظهر من يريد أن يحاسب على الكسب غير المشروع، أو يريد أن يجتهد لمحاربة الفساد، أو حين تحصل انقلابات أو ثورات تأتي بصفوة جديدة لواجهة الحكم، كما حصل في “ثورات الربيع العربي” يكون المال المنهوب، تحت حماية القانون، خارج الملاحقة.
.
التبييض بالقانون للفساد الأسود
وقد تكون “الثورات” العربية مثالا جيدا للكشف عن هذا الوجه الغامض في أداء الصفوة المستبدة بالحكم والنفوذ. فالقارئ المشاهد ربما يذكر ما كانت تردده الآلة الإعلامية المساندة لثورات الربيع العربي ونخبه حول الأموال الطائلة المنهوبة، التي تكون زمرة الأنظمة الفاسدة في عهد مبارك، بن علي، علي عبد الله صالح، والقذافي قد هربتها للبنوك الأوروبية والأمريكية، فأسالوا بها لعاب غلابة الشارع العربي، وأعانتهم عليها حكومات غربية، كانت تدعي كذبا وزورا، أنها قد جمدتها إلى حين بناء النظم الجديدة، وإعادتها لأهلها، أي للشعوب التي نهبت منها.
وحتى نكون منصفين، فليس من حقنا اتهام الأنظمة الجديدة بالتقصير أو التواطؤ، لأنها اكتشفت بعد حين، أن الجزء الأكبر من الفساد المنسوب للأنظمة السابقة قد تم تبييضه وشرعنته بأدوات قانونية، أو أنه أدخل في بالوعة التبييض المنهجي للمال الحرام في المنظومة المصرفية العالمية، وأعدمت آثار تعقبه وملاحقته، مثله مثل المال الفاسد الهارب من الاستحقاقات الضريبية في دولة القانون الغربية.
.
نكاح المحارم بين الثروة والسلطة
الزواج المستديم بين المال والسلطة قديم قدم الاجتماع البشري، وقد سعت الصفوة من الشطار دوما إلى تسخير موقع القيادة للتمكين والاستحواذ على الثروة، كما استخدمت الثروة للتمكين من سلطة القيادة، بأدوات كانت في البداية تعتمد على المغالبة البهيمية، لكنها استطاعت أن تطور مع الزمن أدوات ناعمة للتعمية والتعتيم على حالة الاستفراد الدائم بالثروة والسلطة، فاستعانت بمفردات الدين والمعتقدات، والأساطير، وحاجة الناس إلى الحماية والأمن والاستقرار، لتثبيت التفرد بمواقع القيادة، كما استعانت بسلطاتها الملكية، مثل سلطة التشريع والتنفيذ، والملكية الحصرية لقوة القمع الشرعي، فسخرتها ببراعة لحماية وحراسة عملية النهب، والسلب، والتوزيع الظالم للثروة.
“الجزء الأكبر من الفساد المنسوب للأنظمة الفاسدة الساقطة قد تم تبييضه وشرعنته بأدوات قانونية، أو أنه أدخل في بالوعة التبييض المنهجي للمال الحرام في المنظومة المصرفية العالمية، وأعدمت آثار تعقبه وملاحقته”.
فالديمقراطية اليونانية التي تحولت إلى نظام حكم، استنسخته لاحقا الدولة الحديثة، نشأت مع صدور مدونة صولون الإصلاحية (594 ق م)، ولم تكن وقتها استجابة أخلاقية لحق أفراد المجموعة الوطنية في المشاركة في إدارة الشأن العام، بقدر ما كانت وستظل الأداة الأفضل للتعتيم على تفرد الصفوة بالسلطة، وخداع العامة بوهم الامتلاك الحصري لأم السلطة عبر الاقتراع.
“الجزء الأكبر من الفساد المنسوب للأنظمة الفاسدة الساقطة قد تم تبييضه وشرعنته بأدوات قانونية، أو أنه أدخل في بالوعة التبييض المنهجي للمال الحرام في المنظومة المصرفية العالمية، وأعدمت آثار تعقبه وملاحقته”.
.
العبقري صولون الذي علم أتباع ماكيافيل
فقد جاءت إصلاحات صولون عقب أزمة اقتصادية قاتلة، كادت تحول ثلاثة أرباع اليونانيين إلى عبيد ورقيق، نتيجة إفلاس النشاط الفلاحي، وعجز المزارعين عن تسديد الديون، إلا بالانتقال إلى الرق والعبودية للدائنين، فألغت إصلاحات صولون الديون، وفي المقابل أرست قواعد حكم جديدة، تسمح بالمشاركة في اختيار الصفوة الحاكمة لكل مواطن يثبت دخلا سنويا معلوما تم تقديره، وقسمت الهيئة الناخبة إلى ثلاث طبقات حسب طبيعة الثروة الشخصية، وقد احتاج الغرب إلى ثلاثة قرون من الممارسة، قبل أن يساوي بين المواطنين في حق الاقتراع، ثم في حق الترشح، لكنه وضع من الضوابط والموانع ما يمنع بكفاءة وصول أبناء الطبقات الدنيا إلى مواقع القيادة، إلا عبر شبكة تمحيص معقدة، تتكفل بالتصفية، والانتقاء، واختبار مستوى الولاء للصفوة، حتى أنه ما يكاد الوافد من الطبقات الدنيا يرتقي في السلم الاجتماعي والسياسي، وينتقل من دائرة خدمة دنيا، إلى دائرة خدمة أعلى، حتى تنتهي كل صلة له بأصوله الاجتماعية، ويكون وقتها أكثر من يتنكر لأصوله، وأشدهم قسوة عليها، وهي نفس السلوك التي ترونها في الطائفة التي تتزحلق من تحت إلى فوق، حين تشتد شهوتها إلى السلطة والثروة.
.
ورثة المعمرين وما تعمره دولة المستضعفين
ومع كل ذلك مازلت أصر، على أن المهم ليس الإحاطة بالأساليب التي تتبعها العلية في تثبيت التداول البيني على مواقع السلطة، بقدر ما هو مهم، أن نتحرى الأساليب والتقنيات التي تتبناها الصفوة من أجل إضفاء قدر من الشرعية على السرقة الصرفة، والنهب الموصوف، والغلول المنهجي، والاعتلاف “الشرعي” من المال العام، وابتكارها المتواصل لمناجم الثراء الخاص، لفائدة العشيرة والأقربين، بتسخير أدوات الدولة التشريعية والتنفيذية والقمعية.
يعلم الجميع حجم الثروة العقارية الموروثة عن الحقبة الاستعمارية، والتي تركت لعقود تحت حماية الملكية العمومية، قبل أن تهتدي الصفوة، وفي التوقيت المناسب، إلى الصيغة التي تسمح بوضع اليد عليها عبر قانون التنازل عن أملاك الدولة، الذي نقل حيازة قصور وفلل فاخرة من ملكية الدولة إلى ملكية الخواص بالدينار الرمزي، والدفع الميسر المريح، وجاءت مرحلة خصخصة القطاع العام لتنقل حيازة قطاع واسع من المؤسسات الإنتاجية والتجارية إلى الملكية الخاصة، تقريبا بالدينار الرمزي، وبالقانون أيضا، نقل ريع التجارة الخارجية من القطاع العمومي إلى الخواص من القبيلة والعشيرة، وما تزال آلة التشريع تشتغل بكفاءة لتوزيع الثروة بين الصفوة وحمايتها من أية ملاحقة قادمة بالوسائل القانونية، حتى لو توفرت إرادة محاربة هذا النوع من الفساد المقنن، حتى أن أكبر وأخطر عمليات الكسب غير المشروع، إنما هي تلك التي تجري أمام أعيننا عبر النظام القرضي والجبائي تحت حماية القانون.
.
حمالة الماء لطواحين المفسدين
ولقد اجتهدت الدولة، كغيرها، في تسخير مؤسسات وأجهزة متعددة، أنيط بها مهمة منح الغطاء القانوني لأعمال الفساد والنهب المنظم، مثل مهنة التوثيق القانوني للصفقات وانتقال الملكية، ومهنة المحضر القضائي التي تمت خصخصتها مثل مهنة التوثيق، لتفي بغرض منح الشرعية لعمليات نهب وتزوير موصوفة، تقوم بها العلية المتنفذة، وتحتمي بمحاضرها المعتمدة قضائيا، حتى أن العلية لا تحتاج إلى الضغط على القضاء، أو رشوته عند قيام المنازعة، إلا في حالات نادرة، ولن يكون بوسع أي سلطة قادمة نابعة عن إصلاح سياسي، أو عن ثورة، مثل ثورات الربيع العربي، لن يكون بوسعها أن تنال من هذا الفساد المحمي بأدوات القانون، إلا إذا عملت بالأسلوب الثوري، وانصرفت إلى التأميم المباشر كما حصل في بعض الثورات، أو استغلت سلطة التشريع لتصحيح ما طاله الفساد، واستئصال الأدوات والأجهزة القانونية المسخرة لخدمة الفساد أو إصلاحها، وهذا أمر لا يتوقعه عاقل إلا من الملائكة المنزلين، أو من صفوة من الصالحين الأتقياء، من طينة الخلفاء الراشدين، يظنون مثل الخليفة عمر: أنه لو تعثرت ناقة لمسلم بسواد العراق لعلم أن الله سائل عنها عمر.
“المستبد، فاسد يستبد بما عنده من قوة غاشمة، عندما لا يلهمه شيطانه بما ألهم به نظيره الديمقراطي المستبد من ثقافة وعلم بتفوق قوة القانون على قانون القوة لخدمة الفساد وحمايته”.
.
حيرة بهيمة الأنعام عند بوابة المذابح الشرعية
ولولا أنني لا أريد أن أصرف الناس عن التمسك بحق المطالبة بالتغيير، حتى نحو هذه الديمقراطية المسخ التي يلبس بها على المسلمين، وهم أصحاب كتاب وهداية، لمن يريد أن يلقى ربه وليس في ذمته ظلم للعباد، أو في بطنه مال من السحت، لكنت حرضتهم على اليأس مما يعلقونه من آمال على التغيير نحو الديمقراطية ودولة القانون، لأن الصورة التي تشكلت عندي عن نظم الاستبداد، كما عن النظم الديمقراطية، لا تخرج عن هذا التصنيف البسيط المعزز بشواهد لا تحصى من سلوك العلية في الفسطاطين عبر التاريخ، أزعم فيها: أن المستبد، هو عبد من عباد الله، يستبد بما أوتي من سلطة، بما عنده من قوة غاشمة، عندما لا يلهمه شيطانه بما ألهم به نظيره الديمقراطي المستبد من ثقافة وعلم وفطنة بتفوق قوة القانون على قانون القوة لخدمة الفساد وحمايته، وأنه ليس بين الاثنين سوى أن تقلب ترتيب طرفي الجملة “قانون القوة – قوة القانون” وأنه حق لي عندئذ، ألا أميز بين من يسلخني بعد ذبحي بقانون القوة، ومن يسلخني بعد نحري بقوة القانون.