-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
صحفي "الشروق" يتقمّص دور بائع الخلطات

عقاقير الرجولة وأسرار فراش الزوجية على طاولات الأسواق الشعبية

الشروق أونلاين
  • 9229
  • 3
عقاقير الرجولة وأسرار فراش الزوجية على طاولات الأسواق الشعبية
مكتب قسنطينة

كانت الساعة تشير إلى الرابعة فجرا من يوم الجمعة في العشر الأواخر من رمضان، وهو موعد سوق بلدية حامة بوزيان بولاية قسنطينة، حيث بدأ المواطنون في حجّ الحاجة، بين باحث عن ثوب عيد رخيص الثمن لابنه، وباحث عن قطعة غيار لسيارته، وفضولي يتابع “بورصة” غير معترف بها في الجزائر، وباحث عن اللاشيء، وأيضا عن دواء أو بصريح العبارة عن خلطة، بعد أن أنهكته وعود الأطباء في كبرى المستشفيات.

كل شيء تغيّر في الجزائر، إلا هذا الديكور العبثي لأسواقنا الشعبية، رجل يحمل مكبّر الصوت ويبيع بجرأة خليط وعقاقير، هو نفسه لا يعلم مكوناتها، ويزعم أيضا بجرأة بأنها تشفي المرض، ويراهن بجرأة وأيضا بوقاحة بأنها تشفي بنسبة 100 بالمئة، هو رجل تجاوز كل الحدود، حيث يبيع بفخر دواء السكري والعجز الجنسي وتسوّس الأسنان والإيكزيما والسرطان والكآبة، ولا يجد أي منتقد، ما عدا المبهورين بعبقريته أو ربما الذين قنطوا من رحمة الله ورحمة الأطباء، فطلبوها من هذا الدجال أو ذاك المحتال أو الطبيب الذي لم يدرس الطب في حياته

لم نبذل جهدا كبيرا في إيجاد مكان لوضع طاولتنا “المحترمة” من حيث تنوعها في زاوية من السوق، دفعنا ثمن المكاس الذي بلغ رقم 500 دج وقد يرتفع إلى 800 دج إذا توسّع المكان المحجوز، وحملنا مكبّر الصوت وحاولنا جرّ الزبائن، بالرغم من نظرات باعة العقاقير الذين يرون بأنهم الأجدر لوحدهم، بجائزة نوبل في طب الغش والدجل.

 

مرضى منوّمّون مغناطيسيا

لم تمر أكثر من ثلاثين ثانية عن تجهيزنا للطاولة الساحرة، حتى تحولت إلى مغناطيس يشدّ الموهومين شدّا، وتحوّلت كل الخلطات الغريبة وبعضها مضرّة، إلى صنارة تجلب الضحايا الذين يأتون بأعين مغمضة.

 أول صيد وقع في الشبكة، كان شابا دون الثلاثين من العمر، من دون حياء، سأل عن خلطة سماها الحبة السودانية، قال بأنها تستعمل في علاج البواسير، بدا الشاب مهموما بهذا المرض إلى حد الكآبة، وغير مقتنع بكل الأدوية، وكافر بالطب مهما كان مصدره، واعترف لنا بأنه لو خُير بين أدوية “بفايزر” وهاته الطاولات الغريبة في الأسواق الشعبية، ما تردد في الخيار الثاني، الشاب القادم من جنوب ولاية جيجل، قال بأن الأطباء يتفلسفون كثيرا، وكلما تناول دواء إلا وزاد ألمه مع البواسير- حسب قوله – لأجل ذلك يأتي إلى الأسواق بحثا عن العلاج، واعترف بأنه يتابع الفضائيات العربية، التي تقدم هاته الخلطات، وتشهر لها، ويبحث عنها في الأسواق.

لم يجد الشاب مراده، فأخذ مرهما يدعى “مونجة”، خاص بحب الشباب، وكان واضحا أنه لإحدى قريباته أو قريبه، ودفع من دون تأويل أو جدال وغادر لشأنه، بينما كانت طاولتنا الساحرة تشد فضول الكثيرين، يصرون على السؤال عن خلطات غريبة، بعضها لم نفهم من أي لغة مشتقة أسماؤها، ولكنها من عالم آخر، غير عالم المعرفة الذي من المفروض أن تدخله الجزائر مثل بقية بلاد العالم، وإذا كان مرضى العيادات والمستشفيات يتوجهون إلى هاته المصحات، وهم يعلمون بأن في الدواء يوجد احتمالين إما الشفاء أو عدم الشفاء، فإن طالبي طاولات الأسواق الشعبية يأتون شبه فاقدين للوعي، أو منوّمون مغناطيسيا، ويكمن السرّ في كون بائع الخلطات يشركون الزبون في الاحتيال على العلم، أو كما اعترف أحدهم “نخلّيه في هواه” حتى لا يتحمل تبعات أية كارثة لوحده

 

حريم السلطان في أسواقنا الشعبية

تزيّنت طاولتنا بعلبة كُتب عليها “حريم السلطان بالجيسينج المٌكمّل”، وعلى غلافها صورة لأبطال المسلسل التركي الشهير، وبداخلها حبات زرقاء على شكل حبات الفياغرا، لكن ثمن الحبة 100 دج فقط، الزبائن متعوّدون على أخذها، بدليل أن بعضهم دفع الثمن والتقط الحبّة وغادر، هل هو مقتنع بفائدتها.. سألنا أحدهم فابتسم وصمت، فعلمنا بأنها علامة الرضا؟

 فاجأنا شاب قال بأنه متزوج حديثا، ويريد أن يعيش ليله إلى الفجر أو رجال في رجل واحد، فوجهناه إلى الأدوية الصيدلانية، فاشتكى من ثمنها، أغلب الخلطات الجنسية حملت أسماء حالمة مثل “روائع الجنسينغ”، و”ليلنا نهار”، و”شهر العسل الدائم”، و”الشباب”، ونكاد نجزم بأن 60 بالمئة من زبائن هاته الطاولات من الباحثين عن حلّ لمشاكل الفراش، ووجدنا أنفسنا في مشكلة عويصة، وهو أن الزبون يعرف كل كبيرة وصغيرة، عما يباع في الأسواق، أي أن المريض أكثر كفاءة من الطبيب، حتى أن زبونا روى لنا ما تعاطاه خلال ربع قرن من خلطات، لاسترجاع قوته الجنسية المفقودة، وكأنه موسوعة، ولكن ليست علمية.

الباحثون عن النوم والذين عجزوا عن مداواة الأمراض الجلدية والأرق والكآبة، وحتى الأمراض النفسية المستعصية، هبّوا بقوة بحثا عن جديد الأسواق الشعبية، خاصة أن بعض الباعة صار يزعم بأنه على اطلاع كامل، بجديد الشعوب المشتهرة في مثل هاته الخلطات مثل الهند والبرازيل والمغرب والمكسيك، أما مكبرات الصوت، فضلت تصدمنا بعباقرة الجرأة، وهم يراهنون على مداواة “الروماتيزم والمصران والصداع وحب الشباب”، وإذا كان طبيب أمراض العيون المختص يتأسف لمرضى السكري أو طبيب الأسنان يتأسف لمرضى الأعصاب، فإن باعة الأسواق الشعبية لا يردّون أي مريض، وبالنسبة إليهم أي خلطة صالحة لأي مرض، مراهنين على الأسماء البراقة، منها مسك الكعبة وعسل السودان والحنظل الإسباني والحبة السواء القادمة من الطائف ومن سنغفورة.

 

وصفة “بن غبريط ” هنا؟

تكفي ربع ساعة أمام طاولة الأماني، لتعرف ما يريده الزبائن، المهمومون بأوجاع أبنائهم، قليلون من يطلبون وصفات لأنفسهم، تأكدنا من ذلك عندما تقدم منا كهل في الأربعينات “خريفا” وهمس في أذننا، يطلب خلطة لابنه، الذي عاد إلى مرض التبوّل في الفراش، الرجل من فرط الأمل أقسم بأنه أخذ منذ ستة أشهر، خلطة من أيدينا وشفي صغيره، حاولنا أن نفهمه بأنه لم يحدث وأن وطئت قدمانا السوق، ولكنه أقسم “في رمضان” بأنه متأكد من كلامه، فأخذ قارورة صغيرة مكتوب عليها “قوراية” ودفع 100 دج، وغادر، بينما يروّج حاليا لخلطة باسم مثير هي الدراغون، تباع أكثر من أوراق البوراك في شهر رمضان، يقال بأن الطفل الصغير إذا تعاطاها منحته القوة والذكاء، وقد راجت هذه الخلطة التي يقال بأنها مستوردة من المملكة العربية السعودية، قبل مختلف الامتحانات، ويروّج أيضا من بائعيها طبعا، بأنها منحت للتلاميذ قوة ذاكرة وسرعة في التنفيذ، ومكنتهم من اجتياز امتحاناتهم بنجاح خرافي، حسب مزاعم بائعها طبعا، من دون اللجوء إلى الغش، بل إن البائع الذي استعمل مكبّر الصوت بشّر الأولياء بأن يكبر أبناؤهم ويتحوّلون إلى رجال وهم في سن الطفولة، وقد يجد الأب نفسه مُجبرا على تزويج ابنه وهو دون الخامسة عشر.

كثير من العبث قليل جدا من الجدية في طب الأسواق، ولكنه عبث يلعب بأجسام الناس وبمشاعرهم، فمن غير المعقول أن يأتي أب كما حدث مع شيخ من منطقة تسالة بولاية ميلة، يحمل ورقة، كتبت عليها العائلة بأكملها متطلباتها الطبية، ووضعها على الطاولة وطالب بتحقيقها، لا شيء اسمه الكشف السريري على المريض ولا على قريبه، لا شيء اسمه التحاليل والأشعة والوصفة الطبية، بالنسبة لهذا الشيخ لكل داء دواء، ولكن ليس في المستشفيات، وإنما في الأسواق الشعبية، فللزبائن نفس الأسطوانة الشعبية “سال مجرّب ومتسالش طبيب”، “الحشايش هوما الصح”، وللبائع نفس الأسطوانة التطمينية، “من غشنا فليس منا”، “الشافي هو ربي وأنا سبب فقط”، ويضيع الطب والعلم تحت أقدام هؤلاء.

شدّ انتباهنا شاب آخر وضع طاولة صغيرة لبيع نبتة قال بأنه استقدمها من فيافي الجلفة، هي الحنظل، يبيعها بمئة دينار، رفقة وصفة يقدمها للزبون، مكتوب عليها بأنها تداوي كل الأمراض الجلدية المستعصية، من صدفية وحبّ الشباب، ويتحدى الشاري، بعد أسبوع، في نفس المكان والزمان، إن لم يعد وقد شفي هو أو قريبه، حبة الحنظل تترك عند تقشيرها سائل يرى هذا البائع بأنه يحوّل جلد مستعملها إلى مرآة، عملنا في مكانه بعض الوقت، فعرفنا بأن أوجاع الجزائريين مع الأمراض الجلدية فعلا لا تنتهي، هي عقد تجرّ المرضى لاستعمال أي وسيلة، خاصة تلك المرتبطة بالطبيعة، ولكن المشكلة أن باعة هاته النباتات يسافرون بالمريض إلى جنة أوهام، لا مرض فيها ولا ألم.

تركنا السوق بعد أكثر من خمس ساعات بين لهيب شمسه، وهرج رواده، ليستقبلنا أطفال أشداء، أجبرونا بقوة ولطف على دفع 100 دج نظير حراسة سيارة من دون حراسة.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
3
  • بولنوار .غليزان

    لا ليس شعب متخلف اخى وانما المرض الدي لم يشفى منه عند زيارة كل طبيب وكل مستشفى ويبقو عاجزين عن شفاء هدا المريض.اين يدهب هدا المريض الدي هو كل يوم يتالم بهدا المرض .قالك مايحس بلجمرة غير لي كواته .ممكن تكون في هده الخلاطات شفاء او على الاقل نقص من حدة الالم .لله يشفى مرضانا ولله يعافينا وصح رمضانكم وكل عام وشعب جزايرى بخير بلا ننساو جريدتنا الجميلة اى لنحبوها الشروق

  • baba Aroudj

    شعب متخلف حاشا البعض

  • نبيل

    إن غياب العناية بالثقافة الصحية فى أي مجتمع فى زمن تعددت فيه وسائل الإتصال و الإعلام لظاهرة خطيرة جدا كهذه تؤدي إلى هلاك الأشخاص و الأسر بشكل مستمر و لا يمكن توقيفه إلا برسم برنامج جدى وطنى ينشر الثقافة الصحية و بالتبسيط و التكرار الممل لكل فئات و طبقات المجتمع بمختلف أعمارهم دون تهميش الأميين و الغير متعلمين لأنهم يمثلون أكثر الضحايا.