-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

علماؤنا في المهجر: هل حان وقت “المصالحة”؟

علماؤنا في المهجر: هل حان وقت “المصالحة”؟
ح.م
استقبال الرئيس تبون للبروفيسور إلياس زرهوني - @أرشيف

لقد صدرت لنا في العاشر من أكتوبر سنة 2019 هذه الفقرات في صحيفة الشروق حول موضوع هجرة أدمغتنا: “عرفت الجزائر منذ الاستقلال نخبة علمية تزايد عددها تدريجيا. وفي بداية الأمر، كانت تلك النخبة متفائلة فمالت إلى خدمة الوطن من الداخل. ولذا كان الكثير منهم يعود إلى البلاد بعد انقضاء المشوار الدراسي. وهكذا أسهم علماؤنا آنذاك في إقلاع الجامعة الجزائرية ومؤسسات كثيرة أخرى. ثم حدث ما حدث في مطلع التسعينيات فكانت موجة الهجرة الجماعية نحو الغرب بقارّتيْه الأوروبية والأميركية، ثم تلتها موجة ثانية نحو بلدان إفريقية وآسيوية، لاسيما دول الخليج العربي.

وفي مجموعة هؤلاء “النازحين” نجد فئات شتى: فئة الفارين من المتابعات القمعية بعد أن عرفوا السجون، وفئة تبحث عن الثراء، وفئة هاجرت لظروفٍ أسَرية واجتماعية قاهرة، وفئة تبحث عن حياة أفضل، وفئة تأكدت أنها لن تتأقلم مع الأجواء والتقاليد الجديدة للمجتمع… ورغم هذا التنوّع في أسباب الهجرة بالمئات، بل بالآلاف، فإننا نلاحظ عاملا مشتركا لدى جلّ هؤلاء، وهو الحنين إلى خدمة الوطن عن بُعد و/أو عن قرب.

وفي مطلق الأحوال، ليس لأيّ كان أن يحشر أنفه في خيار الفرد فيما يتعلق بتسيير حياته الشخصية. لكن هذا لا يمنعنا من التأكيد على أن ثمة مسؤولية فردية وجماعية ثقيلة تقع على عاتق من اختاروا الهجرة، وهم يشعرون بانتمائهم إلى بلدهم الأصلي. وتتمثل هذه المسؤولية في كوْن هجرتهم كرّست الرداءة التي تعاني منها جامعتُنا اليوم. والأمر لا يحتاج إلى بيان، ففي رحاب هذه الجامعة، كان يتعايش الغثّ والسمين، وحين غادرها جزءٌ معتبر من “السمين” اتّسع المكانُ بشكل طبيعي لـ”الغث”!

وتغيّر المشهد

غير أن المشهد اليوم، بعد انقضاء ربع قرن من القرن الحادي والعشرين، لم يعد هو نفسه الذي كان عليه في تسعينيات القرن الماضي. فكثير من الأستاذة والباحثين والمهندسين والأطباء الذين غادروا الجزائر منذ سنوات طويلة أو عقود كاملة بلغوا اليوم مراحل متقدمة من العمر، وتقاعد عدد معتبر منهم في الجامعات ومراكز البحث الأجنبية. ومع التقدم في السن يزداد الحنين إلى الوطن، وتتعاظم الرغبة في “ردّ الجميل” للبلد الذي لقنهم الدروس الأولى في حياتهم التعليمية وغيرها حتى اشتدّ ساعدهم وصارت لهم مسيرة علمية معترف بها عالميا. وهؤلاء يملكون اليوم رصيدا هائلا من الخبرة العلمية والتجارب الرائدة التي اكتسبوها بعد عقود من الجهود المضنية… وهو رصيد لا ينبغي أن يبقى مجمدا لا يستفيد منه ابن البلد اليوم. وما من شكّ أن هذا الرصيد يكسبه أيضا العديد من مهاجرينا الذين لم يصلوا بعد سنّ التقاعد.

ومن ثمّ يطرح السؤال: لماذا لا تُستحدث صيغ مؤسساتية مرنة تسمح للبلاد بالاستفادة من هذه الكفاءات وتُمكّن مهاجرينا في نفس الوقت من الاستفادة المادية والمعنوية من خبراتهم؟ فالأستاذ أو الباحث المتقاعد في الخارج، أو غير المتقاعد، لا يطلب بالضرورة منصبا أو إقامة دائمة، وإنما يكون في كثير من الأحيان مستعدا لإبرام عقود قصيرة المدى من أجل القيام بمهام تدريسية أو استشارية أو الإشراف العلمي الحضوري أو عن بُعد للمساهمة في تكوين الباحثين وإنجاز المشاريع البحثية. فبدل النظر إلى الهجرة العلمية بأنها خسارة للبلاد، يمكن استثمارها وتحويلها إلى شبكة “وطنية” تغطي العالم، وتُسهم في تطوير الجامعة الجزائرية ومؤسسات البحث، وتُعيد وصل ما انقطع بين الوطن وأبنائه المنتشرين في القارات الخمس.

استضافة الأستاذ المقيم في الخارج

بودّنا أن نذكّر في هذا السياق بأن الصيغة السارية حتى الآن بالجامعات الجزائرية في باب استضافة الأساتذة من الخارج تجاوزها الزمن: إنها تقضي بأن تُسدِّد المؤسسة مباشرة تكاليف السفر للزائر، وكذا الإقامة والإطعام خلال مدة زيارته، بينما لا يحصل الأستاذ الزائر على أي مقابل مادي نظير وقته وخبرته ومحاضراته أو إشرافه العلمي. ويؤدي هذا الوضع إلى نوع من الحرج المتبادل: بهذه الطريقة، فالجامعة تشتغل كثيرا بإجراءات حجز التذكرة والفندق والمطعم والفواتير، وفي نفس الوقت، يشعر الضيف بأن خبرته العلمية لم تُقدَّر حقّ قدرها، باعتبار أنه قد استغل جزءا من وقته الثمين أو ضحى بالتزاماته المهنية لتلبية الدعوة.

والأسوأ من ذلك أن هذه الصيغة لا تتيح للجامعة معرفة التكلفة الحقيقية مسبقا لأن أسعار تذاكر السفر والفنادق والإطعام تختلف باختلاف شركات الطيران والموسم والبلد ومستوى الخدمات المطلوبة. لذلك نرى أن الصيغ المعتمدة في عديد الجامعات والمؤسسات البحثية عبر العالم أكثر فعالية وشفافية حيث يتم في جلّها الاتفاق منذ البداية على تقديم علاوة محددة للزائر مرتبطة بمدة الإقامة وطبيعة المهمة العلمية، (عندنا، لا بد أن يُدفع جزء منها بالعملة الصعبة). ويتولى الزائر بنفسه تدبير سفره وإقامته وإطعامه وفق ما يناسبه. وبذلك تعرف المؤسسة مسبقا الكلفة الدقيقة للزيارة، ويتحرر الطاقم الإداري من عبء الإجراءات المالية، كما يحصل الأستاذ على هامش أكبر من الاستقلالية في تسيير شؤونه المادية وتلك الخاصة بسفره وزيارته.

ومن ناحية أخرى، فإن العالم أو الأستاذ المقيم في الخارج -خاصة إن كان من أصول جزائرية- لا يحتاج دائما إلى أن توفر له الجامعة غرفة في الفندق أو وجبات الطعام، فقد يكون مقيما لدى أسرته أو أصدقائه أثناء الزيارة، أو يفضل ترتيبات مختلفة تناسب ظروفه الشخصية. وما يبحث عنه في كثير من الأحيان هو اعتراف المؤسسة بقيمة مساهمته العلمية من خلال مقابل واضح ومعلن. ولهذا فإن اعتماد عقود قصيرة المدى أو علاوة استضافة محدَّدة القيمة -تُحتسب مثلا على أساس أسبوع أو أسبوعين أو شهر …- من النشاط العلمي المكثف، سيكون أكثر جاذبية للكفاءات الجزائرية وغيرها بالخارج وأكثر فائدة للجامعة.

هيئة عليا تُعنى بنُخَبنا في المهجر

تناقلت الأخبار الوطنية في الآونة الأخيرة نبأ مفاده أن السلطات قررت إنشاء هيئة استشارية عليا تُعنى بالكفاءات الجزائرية في الخارج والاستثمار في هذا الاتجاه. وهذا الأمر مهم جدًا. وعندما نقرأ ما قامت به بعض الدول إزاء مهاجريها من العلماء مثل الهند والصين وإيرلاندا والفيتنام ندرك أن متانة الجسور بين البلاد وعلمائها في المهجر أداة قوية لتقدم الدولة. ومن البديهات التي يجب أن تكون في بداية الأمر هي:

– إنشاء قاعدة بيانات وطنية يتم تحيينها باستمرار؛
– تصنيف الكفاءات حسب التخصصات والبلدان والمؤسسات؛
– إنشاء منصة رقمية للتواصل بين هؤلاء الخبراء والمؤسسات الجزائرية.

وفضلا عن ذلك، لا بد من بعث فكرة “الأستاذ الزائر الجزائري” المبنية على عقود قصيرة المدى، يدفع لصاحب العقد مقابلا ماديا (جزء منه بالعملة الصعبة)، وتتم خلال الزيارة نشاطات كثيرة، منها إلقاء محاضرات مكثفة في الجامعات الجزائرية موجهة بشكل خاص لطلبة الدكتوراه والباحثين، مع تنظيم مدارس صيفية وورشات متخصصة، ومساعدة هؤلاء الطلبة للتقدم في أعمالهم البحثية. كما ينبغي أن تقضي هذه العقود بالإشراف المشترك على الرسائل الجامعية والمشاركة في مشاريع البحث الوطنية والمساهمة في تقييم البرامج والمؤسسات.
وبطبيعة الحال، يمكن لهذا الزائر تقديم تقارير استراتيجية للدولة حول القضايا التعليمية والعلمية والتكنولوجية الكبرى، مع العمل على ربط طلبة الدكتوراه والباحثين في الداخل بخبراء في الخارج، وتوفير مرافقة خاصة للمتفوقين تتيح لهم فرصًا أوسع للاطلاع والتفوق. ويُؤدي هذا التوجّه إلى تمكين المؤسسات الجامعية والاقتصادية –في قطاعات شتّى، مثل المياه، الزراعة، الصناعة، الأمن، الطاقة وغيرها– من الاستفادة المنهجية من شبكات علاقات هؤلاء العلماء بالخارج.

وفي هذا السياق، لا بد أن نعترف بأن التعامل مع علمائنا في المهجر غلبت عليه لحدّ الآن الإجراءات البيروقراطية، وبطء اتخاذ القرار، وضعف متابعة الأداء والاستمرارية. وقد أسهم ذلك كثيرا في إحباط وعزوف عدد من الكفاءات في باب التعاون مع جامعاتنا. ولذلك، إذا أردنا لهذه المبادرة الوطنية أن تحقق أهدافها، يتعيّن التحرر من هذه البيروقراطية القاتلة التي عطّلت الكثير من المشاريع الجادة، واعتماد آليات متابعة ومرافقة أكثر فعالية.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!