-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

علوّ في الحياة وفي المماة

علوّ في الحياة وفي المماة

سلام عليك، يا سيد الشهداء، يا أبا إبراهيم السنوار، وقد سموت بروحك وجسدك، إلى أفلاك الأقدار، لتستقر في عالم الأبرار.

ماذا أقول عنك، وماذا أقول لك، وقد تقزمت الكلمات، أمام عظمة جهادك، وعجزت العبارات عن وصف بطولات استشهادك؟

لقد أعدتنا بمواقفك الجليلة، وبطولاتك النبيلة، إلى عهد خالد بن الوليد، وعلي بن أبي طالب، وباقي الصحابة من الثلة الأصيلة.

من أين نبدأ في عرض سيرتك الجميلة، لنقدمها إلى الناشئة على الفضيلة، فتكون لهم قدوة، ونموذجا، في ما يصبون إليه من رقيّ، وسؤدد، وجلائل أعمال؟

لنبدأ، يا رمز الأطهار، وقائد الأحرار، وعنوان التضحية، والفداء، والفخار، لنبدأ من خاتمة ملحمتك المجللة بالانتصار، لتكون درسا يقدم في الأكاديميات العسكرية للمقاومين ضد الاحتلال والاستعمار، فما عهدنا قبلك من يتقدم جنده في مصارعة الأعداء، فيفتح لهم الطريق، ويشق الصفوف، ويرِدِ المنايا والحتوف، ويخرج –بشجاعة- عما هو مألوف.

إنك على العكس، مما ألِفه الجميع، لم تدخل عالم البطولة والعظمة، من أبواب المعاهد والكليات، ولكنك دخلتها من بوابة الزنزانات، ومآسي المعاناة.

ألست أنت القائل في وصيتك الثمينة: “وصيتي لكم أن لا تهابوا السجون، فهي ليست إلا جزء من طريقنا الطويل نحو الحرية”؟ وتضيف في وصيتك: “كانت حياتي سجونا ومعارك، ألم، وأمل… تبدأ من هنا، من ذاك الطفل الذي رمى أول حجر على المحتل، والذي تعلّم أن الحجارة هي الكلمات الأولى التي ننطق بها في مواجهة العالم، الذي يقف صامتا أمام جرحنا”.

هي –إذن- عبارات نابعة من القلب، يشعر القارئ لها، أنها كتبت بدماء القلوب الغاضبات كما يقول أحد شعراء الثورة الجزائرية الدكتور أحمد عروة، رحمه الله.

فأنت أيها العصامي، تُجسّد الحنكة في الحكمة كما تجسد العظمة في ساحة الوغى، ففي روايتك العميقة المعاني “الشوك والقرنفل” أزهار الشوك، التي تنبض بآيات الحكمة الثورية، ودلائل الثبات والتمسك بالقضية.

لقد قلت لنا في وصيتك، وأنت الصادق: “تمسكوا بالأرض، كما يتمسك الجذر بالتربة، وإذا سقطت، فلا تسقطوا معي، بل احملوا عني راية، لن تسقط يوما ما، واجعلوا من دمي جسرا يعبره جيل يولد من رمادنا أقوى.. كونوا شوكة في حلقهم، أي طوفانا لا يعرف التراجع، ولا يهدأ إلا حين يعترف العالم، بأننا أصحاب حق، ولسنا أرقاما في نشرات الأخبار”.

وعلى حد تعبير الشاعر الكبير نزار قباني:

أيا وطني جعلوك مسلسل رعب

نشاهد أحداثه في المساء

فكيف نراك إذا قطعوا الكهرباء؟

وما الكهرباء، إلا شحنة الإيمان والوطنية التي يتحلى بها المقاوم الوطني المسلم، وهي الشحنة التي لمسناها، في مجاهدي نوفمبر الشهداء من أمثال بن بولعيد، والعربي بن مهيدي، ورفاقهم، ونشاهدها اليوم في المقاومين الشهداء كإسماعيل هنية، وحسن نصر الله، وأبي إبراهيم يحيى السنوار، وغيرهم.

إن في استشهاد يحيى السنوار، وفي استشهاد من سبقوه على درب الجهاد، في الجزائر، وفي فلسطين، وفي لبنان، وغيرها، إن في هذا النوع من الاستشهاد لحياة للقضية الوطنية، وموت للأعداء المحتلين، الذين كما قال عنهم الشهيد يحيى السنوار: “أنهم يخشون صمودكم أكثر مما يخشون سلاحكم”.

وصدق يحيى السنوار، فقد سجل العالم كيف أن كيانا مدججا بكل أنواع الأسلحة، تمده أكبر الدول في العالم، بالمال، والعتاد، والسلاح، والتأييد، ومع ذلك يقف عاجزا أمام صمود الفئة القليلة المؤمنة، التي هزمت فئة كثيرة، بإذن الله.

ألست أنت القائل في وصيتك الثمينة: “وصيتي لكم أن لا تهابوا السجون، فهي ليست إلا جزء من طريقنا الطويل نحو الحرية”؟ وتضيف في وصيتك: “كانت حياتي سجونا ومعارك، ألم، وأمل… تبدأ من هنا، من ذاك الطفل الذي رمى أول حجر على المحتل، والذي تعلّم أن الحجارة هي الكلمات الأولى التي ننطق بها في مواجهة العالم، الذي يقف صامتا أمام جرحنا”.

والتاريخ يعيد نفسه هنا، فقد سبق للجزائريين، أن خطّوا درب الجهاد ضد أعتى سلاح، وهو سلاح الحلف الأطلسي، فتغلب سلاح الإيمان على سلاح العدوان.

وكل اليقين بأن سلاح المقاومة في غزة العزة، مدعما بسلاح حزب الله، وأنصار الله، وأحباء الله، سوف يتمكّن من هزيمة العدو الصهيوني الجبان، وقد ظهرت علامات ذلك، في تمرد جنوده على القتال، وتدهور اقتصاده في كل مجال، ونزوح سكانه من خارج المكان، إلى شتى الأوطان.

إن ما بني على باطل فهو باطل، وما ظنك بكيان، يستمد أصوله، من نصوص تدعو إلى قتل الأبرياء، وتحث على استئصال الأطفال الأبرياء، وتهدم البيت على ساكنيه من الشيوخ، والمرضى من العجزة والنساء؟

هذه الأسئلة وغيرها، هي التي أجاب عنها استشهاد أبي إبراهيم يحيى السنوار، ومن قبله إسماعيل هنية، وحسن نصر الله، وغيرهم من قوافل الشهداء ففي استشهاد هؤلاء، نور سيستضيء به المجاهدون فيضاعفون من ضرباتهم للعدو، بالرغم مما يلحق المدنيين الأبرياء من ترويع، وتجويع، فذلك هو ثمن أعز ما يطلب وهو الحرية.

وللحرية الحمراء باب     بكل يد مضرجة، يدق

على أن هذا، ينبغي أن يكون حافزا لنا نحن الشعوب، على بذل المزيد من الدعم والجهد، لشد عضد المقاومة، بالزاد، والعتاد، والسلاح، وذلك أقل ما يمكن أن يقدم.

أما المتخاذلون، والشامتون، والذين أظهروا الفرح بموت الشهيد القائد يحيى السنوار، فهؤلاء نكلهم إلى الله، وإلى التاريخ، ولا نامت أعين الجبناء!

ونقول لإخواننا الصامدين في غزة العزة والذين يعانون قلة الماء، وقلة الغذاء، وقلة الدواء، وحتى قلة الهواء، نقول لهم ﴿اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾، [سورة آل عمران، الآية 200].

﴿إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ ۚ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾، [سورة آل عمران، الآية 140].

ونقول للمتخاذلين، والشامتين الذين أظهروا الشماتة، باستشهاد الأبطال، نقول لهم ما قاله الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ ۖ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا ۖ فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ﴾، [سورة التوبة، الآية 52].

ونقول لك، يا شهيد الإسلام والوطنية، ويا عريس الجنة الراضية المرضية، نقول لك نم هانئا، مطمئنا، فسينبت غرسك، ويثمر درسك، ويعمم عُرسك، وموعد الجميع في القدس، وفي غزة، في هذه الدنيا، وفي جنة الخلود والفردوس الأعلى، في الحياة الأخرى، فجزاؤك يا شهيد إحدى الحسنيين:

عُلوّ في الحياة وفي المماة       لحقا أنت، إحدى المعجزات

ولا تزال فلسطين تقدم لنا دروس المعجزات المستمدة من البطولة، والشجاعة، والإيمان، كما قدمت جزائر المليون شهيد، أروع معاني البطولة، والتضحية، والفداء، تلك المعاني التي أينعت في شكل ملاحم، ودروس، وهي التي تدرّس اليوم في كليات الحروب، ومعاهد الدراسات الإستراتيجية، لتتجسد بذلك حكمة الله، تعالى: ﴿كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾، [سورة البقرة، الآية 249].

والمجد والخلود لكل الشهداء!

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!