-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

عن “عُقدة” الأيديولوجيا!

عن “عُقدة” الأيديولوجيا!

في سياق الخطابات النقدية وموضة المراجعات والتراجعات التي تغري الكثيرين بركوب الموجة دون وعي وتركيز، أصبح الحديث عن تجاوز الأيديولوجيا والتنصل منها يطرب حتى مسلمين وعاملين للإسلام في مستويات مختلفة، دون إدراك عميق للمعنى، بسبب التوظيف التعسفي والتأويلي من خصوم الانتماء الحضاري للأمة.

ويعتقد نفر من المسلمين والإسلاميين بالمفهوم السياسي أنهم بالبراءة من الأيديولوجيا يقدمون براهين للآخر الغربي أو نخبة المجتمع التغريبيّة عن النضج والتطور الفكري الذي بلغوه، ويرفعون إليه القرينة الدامغة على أنهم مُسخوا عقائديّا، فتحولوا مثل غيرهم، بلا أصل ولا فصل ولا رائحة ولا لون، بل مجرد تنظيم يروم بلوغ السلطة لممارسة الحكم في إطار قواعد اللعبة المسموح بها إقليميا ودوليّا.

أما التيار العلماني التغريبي الذي ينافح لفصل الأمة عن مرجعتيها الحضاريّة، فقد اتخذ من مفهوم “الإيديولوجية الإسلامية” عنوان المعركة، بعد تحميلها كل أوزار العالم، حتى خلق عقدة الهوية والانتماء لدى بعض المهتزّين وُجدانيّا ومعرفيّا والمستعجلين التربع على العروش، فراح يُداريه ويقترب منه بالتنازل الفكري، ليدفع عن نفسه تهمة الأيديولوجيا، تلك العقبة التي تقطع الطريق أمام طموحه الجامح.

لكن التعاطي مع القضية بهذه السطحية يحمل مغالطة جوهرية قاتلة، ذلك أنه لا معنى لعقيدة المسلم، فضلا عن وجود التيارات التغييرية والإصلاحية خارج المرجعية الأيديولوجية، تلك المنظومة القيمية الكاملة التي تحدد رؤيتها للخالق وللحياة وللإنسان، وفق مصادر تشكلها الرباني أو الوضعي، ومنها تتأسس الرسالة والهدف الأسمى النبيل والوسائل الساعية لتمكينه، إذ ترتبط الغاية في الثقافة الإسلامية ارتباطًا وثيقا بالوسيلة، بخلاف العقل الغربي الميكيافيلي الذي جعلها مبررة في كل الأحوال.

ولذلك، فإنه بالنسبة للمسلم عمومًا، وليس فقط الإسلامي وفق التقسيمات الأيديولوجيّة، يفترض أن يكون الإسلام، بنصوصه القرآنية والنبويّة قطعية الدلالة، وما استقرّ عليه إجماع علماء الأمة من أحكام الشريعة، هو مصدر الاحتكام عنده في تحديد مواقفه وآرائه وقراراته وخياراته ومواقعه الفردية والجماعيّة، مثلما يستند الشيوعيون في بناء أدبيّاتهم إلى نظريات المادية الديالكتيكية والطبقية الاجتماعية، أو ينهل الحداثيون مقارباتهم من أفكار الليبرالية الوجودية الفرويدية وفق مذهب الحريات والفردانيّة.

فلا يمكن مثلا تخيل أو تقبّل مسلم أو حزب إسلامي يقبل مبدئيّا بالمعاملات الربوية حتى لو مارس ذلك فعليّا، أو حزب ليبرالي يلغي حق الآخرين في الوجود السياسي والاجتماعي مع أن الأمر قائم في واقع الحال، أو فصيل اشتراكي ينادي بخوصصة القطاع العام وتشجيع الأوليغارشيّة، ويمكن أن نقيس على ذلك الكثير من الأمثلة، لأن المرجعية الفكريّة تضبط في النهاية خط المواقف وترسم وُجهتها.

لهذا يظهر تهافت دعاة إسقاط الأيديولوجيا على الأقل بالنسبة للحالة الإسلامية التي تبقى محكومة بخصوصيتها الربانيّة، لأن ذلك يعني ببساطة نهاية مبرر وجودها وتمايزها عن الآخرين، والكثير يردد مقولة نهاية الأيديولوجيا تأثرا بخطاب معرفي يسود في الغرب دون التبيّن في مقاصده، حيث ينطلق فلاسفته من مركزية المدنية الغربية، ليحكموا بنهاية الأيديولوجيا وفق نظرية “نهاية التاريخ”، بانتصار قيم الغرب واعتبارها المهيمنة في عصر العولمة على كل الثقافات، دون مراعاة لأي خصوصية حضارية للآخرين وفق منطق الإلغائية، وما عليهم سوى الإذعان والذوبان فيها مهما كانت مخالفة لمعتقداتهم الراسخة.

إنّ المطلوب فعلاً، ليس أن يبدّل المسلم جلده ليرضى بما يناقض عقيدته وشريعته امتثالاً للأمر الواقع، بل تطوير الخطاب العام للإسلام ليتجاوز مفردات الدوغمائية المشبعة بالطوباوية والشعاراتية ونبذ الآخر نبذا مطلقًا ودون تمييز، والانتقال من القيم المرجعية التأسيسيّة إلى الرؤى والبرامج والوسائل والخطط التي تستجيب لتحقيق الشهود الحضاري على الإنسانيّة، والاستجابة قبل ذلك لحاجيات التغيير الجذري أو الإصلاحي في الأقطار المسلمة، والتعامل مع تعقيدات الواقع محليّا ودوليّا بمرونة وبراغماتية دون ذوبان ولا تيهان، بما يحقق مقاصد العدل والحرية والكرامة للمواطن والتقدم والازدهار للدولة.

تلك هي المعادلة والمفاضلة والمفاصلة المنشودة من المسلم في إطار الواجب المرحلي، وليس الانهزامية أمام الواقع بالانسلاخ من المرجعية الكبرى ومحاولات الظهور في ثوب التقدم الانحلالي وترديد أسطوانات خادعة، استرضاء للقوى العلمانية أو مراكز القرار العالمي، لأنّ تآكل الأيديولوجيا يؤدي إلى فقدان المعنى والعدمية.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
2
  • لزهر

    يقول عنا المجتمع الغربي أنه لدينا أوطان جميلة لكنه تنقصنا الأفكار. تتماشى أفكارنا على وتيرة بطيئة ذات وجهة محدودة. كلما ننمو نوعا ما نعود بسرعة إلى النقطة التي أنطلقنا منها و تتهدم كل مشاريعنا بعد فترة قصيرة لا تتعدى عشرة سنوات بالتقريب. التخلف في كل المجالات سببه إتجاهات الأشخاص الغامظة بالدولة إلى وجهة غير محدودة و غير مدروسة على المدى الطويل. لقد أخفق كل الأشخاص مهما كان إتجاههم الإسلامي أو العلماني وهزمتهم بكل بساطة أزمة القمح و السكر والزيت . بالفعل تنقصنا الأفكار في جزائر يسطيع ان يعيش على أرضها مليار من السكان على حسب التقديرات و الثروات التي بباطنها.

  • مسلم

    للأسف انت وقعت فيما حذرت منه.. بالمصطلحات والألفاظ والعبارات الغريبة التي سطرتها في مقالك.. ليتك تستعمل ألفاظا عربية اصيلة ودعك من المصطلحات الفكرية الفلسفية الركيكة !!